بولس، رامبرانت…وأنا


فادي أبو ديب

أذهلتني هذه الصورة التي يمثِّل فيها الرسّام الشهير رامبرانت الرسول بولس في سجنه. ولا أعرف في أيّ سجنٍ كان يقصد وقتها، فبولس الطرسوسي كان نزيل عدّة سجون خلال سنيّ حياته وكرازته الدرامية. لماذا أدهشتني الصورة؟ لأني أحسست وكأن رامبرانت ينظر إليّ ويرسمني، شخصٌ يجلس على السرير في ضوءٍ خافت، قلمه في يده، ويده الأخرى يسندها في حيرة متفكِّرة على ذقنه، في حين راحت عيناه تتوهان في مكان ما… هو اللامكان، وهو يحاول أن يرتِّب أفكاره ويجمع كلماته ليكتب خلاصة تجاربه وخواطره ونصائحه والأمور التي تفرحه وتبكيه وتحيِّره وتخيفه، وأمورٍ يتذكَّرها وأخرى يحاول أن يتذكَّرها، وغيرها  من الماضيات التي لا يريد أن يتذكَّرها، ومثيلاتها من الحاضرات التي يحاول أن يتناساها، فيحاول جاهداً أن يجمع ما استطاع  أن يلتقط من الأفكار ليراكمها كالكتب العتيقة فوق مجلِّدٍ ضخمٍ لا يريد أن يفتحه أو حتى يراه بعد الآن.

أكوامٌ من الكتب بجانبه، قرأها وأعاد قراءتها حتى الثمالة، مضغ ما فيها من فكرٍ وحاكمه وجادله وناقشه، وقارنه مع ما قبله و مع ما ربما أتى بعده، وحاول أن يطوِّره ويمزجه مع غيره. ظنّ أنّه ربما سيصل إلى “الفكر الكامل”. ولكن هيهات فكم قرأ وكتب ووعظ وفنّد ودافع وأحبّ وجاهد وناضل، ولكن ما الفائدة؟ ها هو يقبع في سجنه برفقة كتبه نفسها، وأفكاره نفسها. ألا يوجد أحد من كل هؤلاء الذين أحبهم ليسلي وحدته؟! وها هو سيفه يستند إلى جانبه إلى الحائط، هو سيف الروح والكلمات التي لطالما عشقها وكرَّرها وصادقها، ها هي الآن تنتظر الصدأ الذي سيأكلها، بعد أن ينصرف كل الموعوظين والقارئين إلى أشغالهم وينسوها…و…ينسوه!

كثيرون من الأحبار نصحوه بان يتوقَّف ويعود ليعيش حياةً طبيعية. ولكن كيف سيتخلّى عما يعشقه؟! صحيحٌ أنه مرهقٌ من أفكاره ومن قلمه ومن اوراقه، ولكن أليس تعبه منها أفضل من جلوسه محنَّطاً في هيكلٍ من الهياكل ينتظر موته؟

يضحك في سرّه عندما يظنّ أنهم يعذِّبونه في سجنه. هذا صحيح ، هو معذَّب حقّاً. ولكن أليس الخارج أيضاً سجناً؟ العالم كله سجنٌ لذوي الرسالات، ولذوي المبادئ، ولذوي الخيال، ولذويّ المحبّة الفائقة لكل ما هو أصيل. لقد قال المعلِّم مرّة “طوبى للجياع والعطاش للبرّ فإنّهم يُشبَعون”. لقد هنّأ الجياع والعطاش لكل ما هو نقيّ وحقيقي وطاهر وأصيل. ولكن متى سيُشبَعون؟؟ ليس في هذا العالم. لأن هذا العالم هو غربة قاسية مليئة بالجور والظلم والسجون في كلّ مكان. سجونٌ للأفكار، وللقلوب وللشَّغَف وللطاقات الإلهية، وللإنسانية الحقيقية، وللمحبّة، وللإرادة الخيّرة.

يبقى السيف متكئاً على الحائط، عمله مؤجَّل، ومهمته الحقيقية لم تحن بعد. يبقى هناك ينتظر الصدأ، كما هي أفكاره، أفكارنا، تنتظر الموت في عالم الموت والظلام، مرتع الشيطان. كما هي قدرة الألوهة التي فيه ومحبته وعشقه وتلفه المقدَّس ينتظر أن يُحقَّق ويُكمَل في عالم ليس كهذا العالم الموحش.

ويبقى، وأبقى أجلس في نفس المقعد كلّ يوم، في كلّ سنة لأخظ آلاف وآلاف من الكلمات، لا أعرف لمن هي حقّاً…ويبقى رامبرانت يجلس امامه، أمامي، يرسم لوحته حتى ينتهي آخر واحدٍ فينا.

23 نيسان 2011

5:33 صباحاً.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.