ذلك الذي خاطب مرّةً روحنا


بقلم فادي أبو ديب

هل نحتاج لعالم يشبه هذه الصورة لكي نعيش حلمنا؟!

عندما نحلم بشخص يخاطب روحنا ثم نستيقظ، نشعر بألم فظيع، إلا أنه يزول مع الوقت لأن صورة ذلك الشخص الوهمي (أصلاً) تتخامد في ذهننا تدريجياً . ولكن عندما يكون هذا الشخص حقيقي وموجود فيبقى هناك ألمٌ لا ينفكّ يلسعنا من حين لآخرٍ بلسعاته التي لا تُطاق…
في الحالة الأولى، هو ليس ذنبنا. إنها تصوراتنا وأشواقنا ورغباتنا المكبوتة والتي نشتاق لتحقيقها، نشتاق للقاء بها والعثور عليها في شخصٍ نتبادل معه اناشيد الرّوح وتلك الحرارة اللذيذة التي تنبعث من كلّ خليّة من خلايا الجسد، ومن كلّ شريان من شرايين الرّوح.

أما في الحالة الثانية فنحن المسؤولون عن ألمنا، شئنا أم أبينا. نحن من يدمِّر الصورة الجميلة في مخيِّلتنا قبل أن يقترب منها أي خطرٍ حقيقيّ. نحن من نستسلم ونهرب لأننا نخاف من الفقدان، فنفقدها وهي ما زالت ملكنا. فها هي تحوم حولنا. ها هي تكتمل وتنضج وهي في طريقها للمعان والاكتمال وأخذ أبهى التجلِّيّات! نحن من يمزِّق الصورة لأننا نخاف ألا نمتلكها…وهي في الحقيقة ملكنا ومكتوبٌ عليها اسمنا للأبد!.


في الحالة الأولى، لا يمكننا إصلاح الصورة وإعادة وجهٍ لا نذكره أصلاً إلى الحياة. فكيف سنعيد تجميع كلّ تلك الشظايا المبعثرة من وجوه الآلاف؟ كيف سنعيد تشكيل شخصية هي مزيج من كل الجوانب الآسرة في الشخصيات التي التقيناها مُضافاً إليها ذلك الجزء الخفيّ الذي نتوق إليه ونقضي كلّ حياتنا في البحث عنه كمن يبحث عن واحةٍ مريحة في قلب صحراءٍ لاهبة لا ترحم؟ كيف سنعيد الصوت، الذي هو ليس بالصوت الحقيقي، والرّائحة التي لا تُشّم، والابتسامة الحانية والتخاطر الرّوحي الذي تشكّل في دماغنا في مدّة لا تتجاوز كحدّ أقص خمس ثوانٍ هي مدّة الحلم، فتجعلنا نشعر بأننا نعرف هذا الشخص منذ مئات الأعوام؟

أما في الحالة الثانية، فالأمور في يدنا. فها هي الصورة التي نشتاق إليها أمامنا، نسمع صوتها الذي يخاطب عمق الأعماق، وتخلق ابتسامتها في أرواحنا في كلّ ثانية، لا بل لحظة، ربيعاً جديداً وحرارة جديدة، وفيضاً هائلاً من المشاعر والاستجابات والأشواق المتزايدة التي لا نعرف إلى أين ستؤدّي بنا في رحلة فعلية إلى عالمنا المجهول الداخلي، عالم الداخل البشري الممتع والمخيف بمجاهله وجمالياته. ها هو الشخص امامنا، وكلّ لقاء بين الأعين يولِّد آلافاً من الكلمات التي لا يُنطَق بها، والتي لا يمكن حقيقةً أن يُنطَق بها، لأنّ كل كلماتنا هي محاولات قاصرة وسخيفة للتعبير عمّا لا يمكن التعبير عنه حقّاً!
ها هو الشخص في حضرتنا وفي عالمنا، ونحن أيضاً في عالمه، فكيف لكلماتٍ مهما كانت بليغةً أن تصف ما لا يوصف؟! كيف لحبيبٍ ان يخبر حبيبته، او لحبيبةٍ أن تخبر حبيبها بما يشعر، او تشعر، تجاهه/ا؟! “أحبّك، أعشقك، أنا متيّم/ة بك…”، كلّها كلماتٌ ليس لها معنى أو قوّة في وجه تداخل عوالم هذين الإنسانين. لو كانت الكلمات البسيطة كافية لما كتب أحدٌ الشِّعر أو حاول ان يكتب شروحاتٍ كما افعل أنا الآن. كلّ قصائدنا وكتاباتنا وألحاننا وأوصافنا هي إثباتٌ حقيقيّ عن قصور اللغة ومحدوديتها (عدا عن جمالها وإمكانياتها)، فهي كقسم الكاذب الذي يبالغ في ذكر الرب كي يصدِّقه الآخرون.


في الحالة الأولى، في الحلم، ليس علينا أن نتحسَّر على شيء رأيناه مرّة بارواحنا ثم ذهب لغير رجعةٍ. أما في الحالة الثانية، في الواقع، فعلينا ان نقاتل لكي نُبقي على ما حصلنا عليه وألّا ندمِّره، لأننا نحن أصحاب الكلمة الفصل طالمنا بقينا أحياء.

في الحالة الأولى، لسنا نحن من يتحكّم بالروح ولا يمكننا ان نبقى نياماً إلى الأبد. أما في الحالة الثانية فنحن موجودون حقّاً ولنا كامل الصلاحية الإلهية بأن نبقى أحبّاء ومترابطين للأبد.

الإعلانات

4 thoughts on “ذلك الذي خاطب مرّةً روحنا

  1. لم يعد الايمان بالكلمة مبدأ … ولم يعد النظر الى الوجوه راحة وحياة
    كل ما بقي لدينا من صور جميلة حفظتها الذاكرة وأُغلق الصندوق بمفتاح
    وكل ما يبقى لنا الايمان المطلق بوجودنا أنقياء … بفكرنا المغسول من اعباء وكذبات وآثام الزمن
    فادي في كلتا الحالتين أقول لك : ولد الانسان بصورة الله كمعجزة والكثير الكثير لم يعي بعد مدى شفافية وصفاء ورقي تلك المعجزة
    كل من آمن بالتعصب الطائفي والمذهبي والديني والسياسي والحياتي … وجميع انواع التعصب قد فقد انسانيته
    لأنه لو علم تماما” أن الانسان وجد في تلك الحياة بقوة الروح … لما وصلت البشرية الى خطاياها وذنوبها
    كما الروح هي … كلمة الايمان ايضا”
    لا نستطيع رؤيتها ولكننا نتعامل بها
    ليحيا الانسان بالمعنى الحقيقي لوجوده
    فالحياة لعبة مجنونة
    والايمان هو العقل المدبر لكل هذا الجنون
    هل هو بعيد المدى ؟؟؟
    او في احد المدارات الضائعة ؟؟؟

    ربما مقالك يحتاج الكثير من العمق … يكتمل داخلنا

    فادي … شكرا”

  2. شكراً ريدا…وتسعدني مشاركتك الغنية

    فعلاً إدراك معنى الإنسانية صعب جداً…وأنا مؤخراً اتجهت” بشكل متعصب” إلى تضييق تعريفي الخاص بالإنسان، ليشمل فقط كل من هو باحث عن صورة الله داخله.
    لأن باقي الأمور من طلب الأكل والشرب يشترك فيهها البشر مع السائرون على أربع وست و ثمان !!

    ننشغل بكثير من الأمور وننسى الأهم….قالها أحدهم مرّة:
    “ما الفائدة إن كان اتسع العالم وحذائي ضيق؟!”….وقالها الناصري أيضاً “ماذا ينتفع المرء لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟”

    ماذا ننتفع لو حققنا المجد والمال والشهرة والسمعة وفقدنا انسجامنا الداخلي، وتوقفنا عن البحث عن صورة الله فينا؟
    ماذا ننتفع لو حققنا كل المجد ولم نجد صديقاً يسمعنا او أخاً يربّت على كتفنا؟
    ماذ ننتفع لو حققنا كل النجاحات ولم نجد من نتبادل معه الحب؟

    يبدو أن الكثيرين والكثيرين توقفوا عن هذه الأسئلةز لماذا؟ لأنها مؤلمة والبحث فيها مخيف.

    شكراً لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.