“جريمة” معلِّم الجليل


 

بقلم فادي أبو ديب

 “أنا حرّ  إن كنتُ أعيش في جماعة، الشَّخص فيها أهمّ من التكوين والنِّظام”

خوان آرياس

عادةً ما نبرع، وخاصة من يهتم بيننا بقراءة الإنجيل، في التفنُّن في إدانة الكتبة والفرّيسيين والصدّوقيين والناموسيين لرفضهم تعاليم المعلِّم يِشوع الجليلي والوقوف في وجهه والتسبُّب في تعذيبه وقتله صلباً على يد الرومان. وعادةً ما نريح عقولنا في الإجابة عن سبب ذلك بدوافع سطحية مثل أنهم كانوا يكرهونه لأنه بارّ وهم أشرار، أو أنه صادق وهم كذبة، أو لأن هذا تم لفدائنا وتحقيقاً لنبوءات العهد القديم، أو لأن المحرِّضين ضده هم يهود وفقط! وهذا السبب الأخير كافٍ برأي كثيرين للإجابة عن هذا السؤال! ورغم أن عدداً من هذه الأسباب هو صحيح بشكلٍ أو بآخر، إلا أننا بهذا نكون قد تُهنا عن الدافع الرئيسي لقتل يِشوع، وهو أنه فعل الجريمة الأكبر، جريمة الخيانة العظمى، الجريمة التي لو جاء وارتكبها اليوم لقتلوه بذات الطريقة، المتحضِّرون قبل المتخلِّفين، والأغنياء قبل الفقراء، وأصحاب العقول والمتعلِّمون قبل العوام والبسطاء. إنها الجريمة التي تجعله الأكثر كُفراً بنظر رجال الدين و”المؤمنين”. لقد كانت جريمته هي أنه نقل محور الاهتمام والتركيز من المؤسسة إلى الإنسان، ومن التنظيم إلى ما هو نقيّ وحسّاس وخالقٍ من الشَّغَف البشري، ومن المنطق النظريّ الجاف إلى القلب، ومن هيكل الحجر إلى هيكل الروح.

    هذه الجريمة لن يقبل بها أصحاب المصانع والمعامل الذين سيأتي المعلِّم يِشوع ليحدِّثهم عن حقوق العمّال لديهم، ولن يقبل بها معظم أساتذة المؤسسات التدريسية الذين سيسمعون يِشوع وهو يعظ عن فضل الجسد على اللباس والمنظر العام للشخص، وفضل نعمة الحياة المجرَّدة على الطعام والبذخ. كلام يِشوع سيرفضه كل مهووسٍ من الآباء والأمهات ممن يريدون تسيير أولادهم كما يريدون- بحجّة أنهم يحبّون مصلحتهم- وهو يتكلّم عن أولوية طلب ملكوت الله، وعدم الاهتمام بما يأتي في الغد. لن يقبل رجال الدين رفض يسوع لإدانة و”بهدلة” الزناة والسكّيرين، وسيتهمونه بالتراخي عندما يوجِّههم بلطف إلى إصلاح طرقهم، وسينتقدون فيه “همجيته” ولا حضاريته وقلّة درايته في فنون التواصل البشري وهو يدخل ساحة الهيكل صارخاً، وبرفقته بعض البسطاء العامّيّين من صيّادي السَّمَك والعشّارين والعناصر السابقين في حزب الغيورين المتطرِّف، حاملاً السوط بيده، ومبعثراً كل ما وقعت عليه يده من أدوات التجارة والبيع والشِّراء. أما “المسيحيون الازدهاريّون” فسيناقشوونه لاهوتياً ليثبتوا له أنه كلّما ازدادت ثروة المرء وامتلك مركزاً مجتمعياً أعلى فهذا دليل على “نعمة الرب” الذي “يتمجَّد” عن طريق هذا المركز! أما المثقَّفون والأكاديميون فسيهزؤون من طريقة مجاوبته لكهنة الهيكل، وسيتّهمونه بقلة الأدب لأنه رفع صوته في وجوههم دفاعاً عن إنسانية الإنسان الذي يمارسون عليه كل أشكال الفتاوى النظرية التي تثقل كاهله، ولا تمنح روحه معرفة الرب الحقيقية. سينتقدون بالطبع عدم لجوئه لطاولات الحوار، وسيدعون للانضمام للسِلك الكهنوتي من أجل “الإصلاح من الداخل”، وربما يسعون إلى تزوير انتمائه لسبط لاوي المكلَّف بخدمة الهيكل لأجل هذا الغرض!

    يِشوع الذي من الناصرة قلب كل المفاهيم القائمة على تقديس التنظيم المؤسساتي. فهو علم بأن ما جاء للتنظيم في الأصل جاء لأجل الإنسان. فأقدس الوصايا وهي  حِفظ السبت كانت لأجل صحة الإنسان والمجتمع. لقد هدم يِشوع المؤسسة الدينية عن بِكرة أبيها. فرغم أنه عاش كأتقى يهودي عرفه التاريخ، إلا أنه دمّر المؤسسة الدينية القائمة على التخطيط والهرمية كما لم يفعل أحد من قبله أو من بعده. بصلب يِشوع شُقَّ حجاب الهيكل، وكأنه يقول بأنه لم يعد هناك خصوصية لداخل ذلك المكان، الذي كان رئيس الكهنة. وبزوال رئيس الكهنة زال الكهنوت المؤسساتي إلى الأبد، وزالت معه المؤسسة والتنظيم.

    جريمة يِشوع التي لم يرحمه العالم من أجلها هي أنه جاء بشريعة الإنسان الذي هو في أحضان الله، شريعة التحرُّر من بديهيات القوانين البشرية، شريعة تقول لكل إنسان “أنت إنسان وكفاك فخراً، وأنت الآن مدعوٌّ لتلمِّع من جديد صورة الله التي فيك، وتسعى لتكون كمثاله”. لقد دمّر يسوع التنظيم المؤسساتي، لأنه ما من تنظيم إلا ويعطي لنفسه قيمة أكبر من الإنسان. ما من تنظيم إلا ويضع مصلحة صورة الجماعة فوق شَغَف الفرد. ما من تنظيم إلا ولديه هدف بعيدٌ عن إنسانية الإنسان الفرد. فاحترام إنسانية كل فرد وشَغَفه وحبّه الأكبر يؤدي إلى جماعةٍ ذي صورةٍ رائعة، ولكن السعي بالاتجاه المعاكس لا يؤدي بالضرورة إلى احترام الإنسان الفرد، وهو غالباً ما يقضي على شَغَف الفرد وحبّه في الواقع.

    لقد دمّر يِشوع المؤسسة لينشئ المجتمع. فإمّا أن تكون الجماعة مجتمعاً أو تكون مؤسسةً. لا يمكن تحقيق الاثنين معاً. يمكن للجماعة أن تملك المؤسسات ولكنها لا يمكن أن تكون هي المؤسسة ذاتها. لقد ضحّى يسوع بالتنظيم من أجل الإنسان، كما ضحّى بتطبيق حرفية الشريعة من أجل إنقاذ امرأة مسكينة أُمسكت وهي تزني. لقد ضحّى يِشوع بالمؤسسة الدينية من أجل أن يبني الإنسان الرّوحي. لقد دمّر الكهنوت المؤسساتي من أجل أن يبني مجتمعاً من التلاميذ يكون فيه “الأكبر كالأصغر، والمتقدِّم كالخادم”. وأيّ مؤسسة وأي تنظيم لا يمكن له ولا يستطيع أن يقبل هذا مهما لجأ إلى التأويلات والتبريرات، لأن التنظيم المؤسساتي قائم بطبيعته على الهرمية وعدم المساواة. البعض سيقول بأن هذه هي الحياة. ربما! ولكن ليست هذه روحانية حركة ورسالة يِشوع الناصري! فإمّا أن تصنع مؤسسةً برّاقة وإمّا أن تطلق إنساناً حرّاً. المؤسسة البرّاقة قد تنتج أشخاصاً لامعين ولكنها لا تخلق أحراراً. ليس باستطاعتها ذلك، لأن الحريّة مناقضة لطبيعتها.

يا أخوتي في الإنسانية، لو جاء يسوع اليوم لشارك في قتله كثيرٌ من القائمين على المؤسسات الكبرى والمنظَّمات العالمية ورجال الكنيسة- المؤسسة، لأنهم سيقولون عنه أنه مختلّ، كما قال عنه أقرب المقرِّبين إليه نَسَباً منذ 2000 عام!  فالعالم حتى اليوم، ورغم كل رقيّه المفتَرَض، لا يمكن له أن يتسامح مع من ينظر إلى الجميع على قدم المساواة ويعاملهم وفق هذا. التنظيم الذي نقوم  عليه نحن البشر جاهزٌ ليغتال فوراً، وبدون تردُّد، كل من يتجرّأ على عدم احترام رتبة القويّ والثريّ وذي النفوذ. فكل مؤسساتنا قائمة على إعطاء السلطة المطلَقة المادّية والمعنوية لمن يملك مالاً أو عِلماً أكثر، السُّلطة التي تمكّنه من توقيع حكم الإعدام الجسدي أو المعنوي بحقّ كل من يحاول أن يصرخ مع المعلِّم الجليلي الشاب ليقول: “أنا إنسان أيها البشر!”.

نعم، سيبقى صالبو الإنسانية الساعية للألوهة موجودين ومتحكِّمين وممجَّدين من النِّظام وقائمين عليه حتى نهاية هذا الدهر، لأن هذا هو العالم الذي جاء يسوع ضد مفاهيمه وبديهياته. فمَن صلب المعلِّم الجليلي جاهزٌ اليوم ليصلب كلّ من يحاول السير على خطاه.

 مواضيع مهمة مرتبطة بهذا الموضوع:

يِشوع المفقود

يِشوع الجليلي: الثورة التي دمّرت صورتَها المؤسسة

 

الإعلانات

2 thoughts on ““جريمة” معلِّم الجليل

  1. كنت في الصغر أسأل نفسي لماذا تسبب اليهود في قتل المسيح مع انه كان مثال المحبة والطهر، أنقذهم كشعب رازح تحت الاحتلال وشفى مرضاهم واجترح المعجزات ولم يقدم أية اسائة لهم … فهل يقابل الخير بالشر والفضائل بالجحود والعقوق … الآن فهمت المسألة التي قد لا تعجب البعض … نادى المسيح بتحرير العبيد ووقف في وجه الظلم والعبودية، وأحد الشعانين لم يكن إلاّ ثورة وليس كما يصور على انه مسيرة فقراء تحولت قلوبهم الى الايمان، وليعذرني المتشيعون للعهد القديم ويجب ان لا ننسى ان المسيح لم يألو جهداً في محاربة العهد القديم ولم يزل يردد قيل لكم أما أنا فالحق الحق أقول لكم … أنا غير مقتنع بالمقاربات والتشبيهات والتحليلات التي يقوم بها البعض لرسم تلك الهالة حول العهد القديم وجعله المرجع وطريق النور الموصل الى المسيح والعهد الجديد… العهد القديم صناعة يهودية محضة وفيه فساد وزنى محارم وهذا بعيد عند ديننا الجميل المقدس والنظيف… فبالنسبة لي: أنا لا أرضى ان يقحم العهد القديم في ديننا وهذا اختراق يهودي لا غير… اما المسيح فلقد صلب لأنه غير قواعد المعادلة الاقتصادية لأن تحرير العبيد سيقود الى دفع قيمة العمل وهي 30% ستذهب من الربح فبعد دفع اجرة العبد ستنقص الأرباح وليس لليهود ولا لشركائهم الرومان مصلحة في ذلك فقرروا قتله… انا لست شيوعي بالمطلق ولا احب اختراقات اليهود وافتخر بديني المسيحي على بساطته ولا احب السفسطة والاجتهادات والغوص في الفلسفة اللاهوتية والمجامع التي انبثقت عنها وكفرت ناس وطردت اناس وذهبت بحور من الدماء بسبب السخف… أنا مسيحي بسيط مثل بساطة شباك التلاميذ وسمك عرس قانا الجليل والخبز والخمر ولا أحب إلا ان تكون الكنيسة متحررة ومستقلة arasouvalian
    arasouvalian@gmail.com

    1. أولاً مرحباً بك أستاذ آرا سوفاليان في المدونة
      اتفق معك في كثير من الجزئيات التي ذكرتها…فتعليم يسوع رغم أنه لم يتطرق مباشرةً للعبيد إلا أنه من دون شك أدى إلى تحريرهم لأنه أعطى للإنسان قيمته بطريقة لم يفعلها أحد.

      الأمر يختلف بشأن العهد القديم بحسب النظرة إلى يسوع. وطبعاً الموضوع أكبر بكثير من أن يناقش هنا.
      ولكن إذا نظرنا إلى يسوع “الثائر” وفقط فنحن قد لا نكون بحاجة ماسة للعهد القديم.
      ولكن طالما أسميناه “المسيح” فنحن نكون قد اعترفنا للتو بالعهد القديم لأن كلمة المسيح هي مفهوم لاهوتي يهودي بامتياز.
      فإذا كان يسوع الناصري هو المسيح فهو مسيح العهد القديم إذاً وخصوصاً أنه تمم عشرات النبوءات حول هذا.

      أما بالنسبة لكثير من حوادث العهد القديم فهي مذكورة كسرد تاريخي وليس كشيء ممدوح، يعني زنى المحارم مذكور كحدث وليس كشيء يحتذى به مثلاً!

      والحقيقة يا أستاذي بأن كثيراً من التعابير والمفاهيم التي تحدث بها يسوع ومن بعده بطرس وبولس ويوحنا مثل مفاهيم “ابن الإنسان، الولادة من الماء والروح، الناموس، اللعنة، السماء الجديدة والأرض الجديدة….” لا يمكن فهمها بتاتاً بدون العهد القديم، فيسوع الذي طالما تحدث عن “ابن الإنسان” قد اقتبس هذا الاسم من سفر دانيال النبي مثلاً. والسماء الجديدة والأرض الجديدة هي مفهوم وارد في سفر إشعياء. وحتى أن كثيراً من كلام يسوع نفسه مقتبس حرفياً من العهد القديم مثل “أحبب قريبك كنفسك” (سفر التثنية)

      بالنسبة لمسألة “قيل لكم….أما أنا فأقول لكم” فقد كانت بمعظمها توسيعات وروحنة للمفاهيم وليست نقضاً. النقض الوحيد جاء لتعليم أسيني وليس توراتي حول كراهية الأعادء التي علّمنا يسوع المسيح محبتهم.

      وشكراً جزيلاً لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.