حول الديمقراطية وحرية الحياة ومفهوم الإمبريالية- الجزء الثالث


بناء ثيوقراطية الأفراد

بقلم فادي أبو ديب

…لنعود قليلاً للديمقراطية ونقرّ بأنها مجرَّد وسيلة وليست هدفاً في حدّ ذاته كما يظنّ راكبو الموجة العصرية الحديثة التي تروِّج لها عواصم المال والقهر والتجويع المتعمَّد. فالديمقراطية لا تأتي بحرية الإنسان، لأن هذه الحرية نتاج الفكر الصادق “المتأنسن حتى الصورة الأصيلة للألوهة”، وهي لا تُمنَح ولا تُعلَّم بل تبدأ من داخل الفرد فقط. وكل الحديث عن ديمقراطيات مأمولٍ بها هو كلامٍ دعائيّ فارغ لأن المجموع لا يعرف ما هي الحرية، لأنه “مجموع”!  حرية الإنسان نتاج استبصارٍ طويل واستنارة مستمرّة وليست منهاجاً يُعلَّم، لأن الحرية هي حل لمشكلة الفرد مع ذاته قبل أن تكون مع غيره. وبذلك تكون الحريّة عملية اكتسابية مستمرّة لكلّ فردٍ على حدة. علينا أن نعي أنّ الديمقراطية وحريّة الإنسان (التعبيرية- الحياتية- الاعتقادية…إلخ) ليستا شيئين مترابطين. فالأولى نظام حكم، والثانية  أزمة إنسانية وجودية ترتبط بكلّ فردٍ يعيش في أيّ تجمُّعٍ بشريّ.

          البديهية التي يتعامل بها العامّة اليوم مع مفهوم الديمقراطية هي أزمة حقيقية، فأيّ مفهوم يتحوّل إلى بديهية غير قابلةٍ للنقاش والتفكير يتحوّل إلى أزمة وربما إلى كارثة مع مرور الوقت. وكون الديمقراطية هي السائدة في معظم دول العالم المتقدِّم لا يعني أنها مسلَّمة مبدئية، لأن هذه المنظومة في طريقة تشكيل السُّلطة والوصول إليها تترافق دوماً مع أسلوبٍ معيّنٍ لإدارة الدولة. فنظام إيصال الحاكم إلى منصبه لا يكفي لحكم مجموعة من البشر (إن كان من الضروري حكمهم)، بل نحتاج إلى ما هو أهم، وهو مفهوم تنظيم الأفراد بما يشكِّلونه من جماعاتٍ وتجمُّعات.

          ثورة الاتصالات التي حوّلت عالم اليوم إلى قريةٍ صغيرة كما يُقال، لعبت أيضاً دوراً محورياً في زيادة الفروقات بين الشعوب، فكل جماعةٍ أصبح بإمكانها نشر ثقافتها وفكرها، حيث لم يعد هناك خوفٌ من اختفاء تراثها ووجودها الملموس بفِعل حربٍ مدمّرة كما كان يحصل في القديم. وهكذا لم تعد الجماعات مضطرّة للتخفّي والمساومة على معتقداتها وتقاليدها وأساليب حياتها التي أصبحت تناضل بضراوة من أجل ممارستها والحفاظ عليها. لذا فإن الحكم المركزي في الدولة بدون مراعاة حقوق كل جماعة في ممارسة حرّيتها الكاملة هو أسلوب متخلِّف وقديم في الحكم، وهو من بقايا الممالك الأوتوقراطية التي لا تحترم كرامة الإنسان الفرد. والديمقراطية التي تخدم نظام دولةٍ مركزيّ ليست أقلّ ضرراً من أيّة ديكتاتوريّة. فالمركزية لها أضرار لا تقتصر على فرض الرغبة السياسية للأغلبية على الأقليات، بل أضرارها تتعدّى ذلك إلى البنية الاجتماعية والثقافية والتعليمية. فالدولة المركزية تعتمد على 4 عوامل لإخضاع الفرد.

الأوّل هو التنظيم السياسي من دستور وقوانين والتي تعمل على الحفاظ على شكلٍ معيَّن للحكم قدر الإمكان، حيث أنّ هدفه الرئيسي يتمثَّل في الحفاظ على ذاته أولاً. والثاني هو مؤسسات تدريسية- مرحلة أولى، تهدف إلى برمجة وتمرين عقول الأفراد على طاعة المسؤولين عن تنظيم العامل الأول. أما الثالث فهو مؤسسات تدريسية- مرحلة ثانية، وهي محكومة من العامل الرابع الذي سنأتي على ذكره، وهدفها برمجة الأفراد للتماهي مع هذا العامل الرابع والأهم الذي هو “السّوق”، وهو الوجه الآخر المكمّل للنظام القانوني المركزي، حيث أنهما يتبادلان المصالح والدِّفاع عن بعضهما البعض. وأيّ ضربة توجَّه لأحد هذه العناصر الأربعة بحيث تغيِّر من أسلوب سيرها سيؤدّي إلى انهيار المنظومة الكاملة للدولة المركزية. فمن غير المسموح بتاتاً إعادة توجيه المدارس مثلاً نحو إعطاء المفيد والنافع فقط للأولاد وبطريقة بطيئة وتدريحية، لأن هذا سيؤدي إلى فتح هوّة عميقة بينها وبين المؤسسات التعليمية الرديفة للسوق (الجامعات)، ومن المحرَّم الاقتراب من هذه المؤسسات الأخيرة بحيث يصبح هدفها االإنسان الراغب فقط في العلم البحت، أي بدون أن يكون لها هذا الدور المحوري الذي أصبح يحكم مستقبل حياة الفرد ويقيِّمه ويصنِّفه في طبقة من طبقات المجتمع المبرمج بدقّة والذي يغتال فرادة الفرد، لأن هذا سيسبِّب انهيار منظومات صناعية كاملة وتجارية كمالية وترفيهية غير ضرورية للفرد، والتي هي حالياً تشكِّل أساساً يقوم عليه الاقتصاد في كل أنحاء العالم.

 إذاً هذه العوامل الأربعة شديدة الارتباط ببعضها وهي تخدم أنظمة حُكم مركزية أو شبه مركزية، سياسياً عن طريق مجالس شيوخ ونوّاب وما إلى هنالك، واقتصادياً عن طريق مصرف مركزي وما شابه من مؤسسات ومنظّمات تحكم المدن والتجمُّعات وفق شروطٍ صارمة تفرض نوعاً معيَّناً من الرأسمالية أو الاشتراكية أو أية طريقة تعامل وتداول للمال، أو تحديد للأولويات والتوجُّهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فهذه العوامل الأربعة متضامنة أشد التضامن في أيّ نموذج حكمٍ يعتمد على سَوْق الحشود في اتجّاه معيَّن، وخصوصاً المركزي منها ذي البعد الأيديولوجي، سواء كان اشتراكياً أو شيوعياً أو رأسمالياً أو قومياً أو دينياً أو أيٍّ خليطٍ من هذه المفاهيم. ففي كل الأحوال، السوق هو الحاكم الحقيقي، وإن كان هذا واضحاً في الرأسماليات الصريحة حيث يحكم نفوذ الشركات العملاقة، وفي  الاشتراكيات حيث تحكم الدولة التي تملك كل شيء كشخصية اعتبارية، فإن هذا يبقى أقل وضوحاً في الدول التي تقوم على أساس عقائدي يكون فيه الدين أو القومية هو  الصوت الظاهر للمال الذي يتكلّم من وراء السِّتار.

 وعلى هذا فكلّ القوانين والمؤسسات التدريسية والتعليمية والصناعية وغيرها هي خادمٌ لهذا المال الحاكم، لا بل مصمَّمٌ ومشرَّعٌ ومقولبٌ من أجله. وكلّ المناهج الدراسية النظرية والعملية لا تهدف إلى بناء إنسانٍ فرد، بل إلى بناء قطعةٍ من الآلة المجتمعية الكبرى. وزيادةً على ذلك فإن كل الفروع العلمية المنشئة حديثاً أو المحذوفة، السريعة التطوّر أو المهملة، هي في جزءٍ كبيرٍ منها ليست ناتجة عن حاجة الفرد في المجتمع، بل عن حاجة الشركات التي تقنع الفرد بحاجاتٍ وهمية لا يحتاجها فعلاً. خذوا مثلاً تكنولوجيا الهاتف المحمول، فرغم كونها ضرورية إلى حدٍّ ما، إلا أنّ تطوّراتها الحالية تفوق بكثير ما يحتاجه معظم الناس، فمعظم التقنيات الحديثة بما فيها الإنترنت على الهاتف المحمول هي حاجة حقيقية لعددٍ قليلٍ جداً من الناس، إلا أن هذه التكنولوجيا وآلاف غيرها تم تعميمها بغرض تجاريٍّ ماليٍّ بحت، والأسوأ أنه تم توجيه مئات آلاف الأفراد للتخصُّص في هذا المجال وعشرات غيرها، فقط لخدمة هذه الآلة الرِّبحية، التي اتخذت مكانها كأولوية في الثقافة الشعبية والمؤسسات العلمية على حدٍّ سواء، بدل أن تكون مجرَّد كمالية ترفيهية، أو على الأقل ذات طبيعة اختصاصية مثلها كمثل الفنون والفلسفة التي أصبحت منبوذة إلى جانب غيرها من الفروع الفِكرية والأدبية.

          إن الانتصار على هذه القوة الحاكمة يتطلّب تفكيك واحدةٍ على الأقل من هذه عوامل العبودية الأربعة السابقة الذِّكر. والمنطلق يجب أن يكون الصراع على تكوين الإنسان الحقيقي الحرّ الشغوف بما وهبه الله إيّاه. فالحلقة الأضعف في منظومة الاستعباد هي المؤسسات التربوية، السَّند الرئيسي لاستعباد الفرد ومن ثم الجماعة. إن حرب الإنسان ليست لتحقيق الديمقرااطية بل لتحقيق الإنسانية، ولتحقيق الفرد الواعي، الإنسان المحكوم بشكلٍ ثيوقراطيٍّ (إلهي) مباشر بدون أي وسيطٍ يستعبده ويقوم بالوصاية عليه مدى الحياة. إن بناء الإنسان الواعي وفق نظرة الـــ  Imago Dei

  أي على صورة الله الخالق المبدع الذي يتبع ما يشعر في قلبه بأنه خُلق ليمارسه في هذه الحياة، هو الوسيلة للتفكيك التدريجي للمنظومة الاستعبادية القائمة على ثنائية القانون والمال. وممارسة هذه الثيوقراطية الرّومانسية الحرّة تبدأ مع الأفراد والعائلات بالإصرار على خلق ثقافةٍ موازية للبرنامج الموحَّد في المؤسسات المحكومة من قبل الدساتير والأموال والتي تخدم بعضها بعضاً. هذه الثقافة هي عملٌ فردي خلّاق نابعٌ من كلّ فردٍ ومن كل عائلةٍ تؤمن بأنّ الله خلق الإنسان حرّاً ليوجد حرّاً وليبقى كذلك. 

          ما يجب أن نسعى إليه هو حرّيتنا من رغبتنا في الحصول على صكّ شرعيّ أو حكوميّ ما لكلّ ما نريد أن نكون عليه، فيجب أن نتخلَّص من أن نكون مستوعَبات ثقافية يجري التحكُّم به عن قربٍ أو بُعد. لا قوانين يضعها البشر تحكم ما نفكِّر به وما نتعلّمه وما نختاره لأنفسنا. فكما انتصرنا على برمجة عقولنا التي مورست علينا سنيناً طويلة في مؤسسات البرمجة التعليمية، هكذا نستطيع أن نتعاون معاً كأفراد لنخلق فيما بيننا ثيوقراطيتنا الخاصّة، التعاونية، المحبّة، المنفتحة، فإرادات الأفراد (وليس الحشود) هي التي تصنع و”توجِد”. فهذه الثيوقراطية القائمة على أفرادٍ مجتمعين طواعيةً هي الكفيل بجعل قيود الإمبرياليات الداخلية المركزية مجرَّدةً من فاعليّتها وتأثيرها على هؤلاء الأفراد.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.