زكريّا: نبوءة لامنطقية يثبت التاريخ دقّتها


بقلم فادي أبو ديب

“إله الآلهة تكلَّم، ودعا الأرض من مشرق الشمس إلى مغربها. من صهيون، كمال الجمال، الله أشرق. يأتي إلهنا ولا يصمت. نارٌ قُدّامه تأكل، وحوله عاصفٌ جدّاً”

آساف

 

قد يكون من سمع زكريا بن برخيا وهو ينطق ما يمكن اعتباره واحدة من أكثر النبوءات وضوحاً وغرابةً، شعر بالسُّخرية من هذا الشاب الذي يتحدّث عن مستقبل مدينة أورشليم الخربة بمثل هذا الوضوح والثقة، وخاصّةً أنه كان يتنبّأ لها بمستقبلٍ على قدر يفوق كل مدن العالم الأخرى أهمّيةً. فزكريا الذي بدأ نبوءته حوالي  العام 520 ق.م، يتحدّث عن المسيح وعن مستقبل مدينة اورشليم بوضوح كبير، وكأنّه يراقب الأحداث المستقبلية بالعين المجرَّدة وهو يقف أمامها، ومن المفيد أن نذكر هنا بأن سفر نبوءة زكريا يُعتَبَر أكثر النبوءات مسيانيةً بعد سفر نبوءة إشعياء.

         أحد عناصر جمال هذا السفر هو أن فصوله الأخيرة من 12-14 لا يمكن أن تقبل التفسير الرَّمزي أو الباطني كمنهجٍ عام، إلا باستثناء بعض التعابير الواضحة الرَّمزية من سياقها النصّيَ، مثل عند قوله “اضرب الراعي فتتشتت الغنم”، وهو بهذا يشير إلى رؤساء إسرائيل والشعب العاميّ (وقد وضّح الرب يسوع نفسه هذا الرمز بالذات، مطِّبقاً هذا المثل على نفسه وتلاميذه). هذه الفصول المذكورة آنفاً توضِّح مستقبل أورشليم بوضوح لا يقبل الشكّ، ولا يقبل حتى أيّ خلطٍ في الأزمنة، فالواضح أن زكريّا لا يتكلّم عن أيّ حدثٍ تاريخي، بل عن حدثٍ أخروي سيجري في نهاية الدَّهر، مباشرةً قبل مجيء المسيّا لكي يملك من أورشليم.

في أيّام نبوءته كانت أورشليم مدينة صغيرة خربة، يحاول من بقي من شتات اليهود إعادة بنائها مع هيكلها المدمَّر بفعل السبي البابلي في عام 587-586 ق.م، وقد كان من المثير للتعجُّب والسخرية، بنظر باقي الشعوب، أن يطلق كاهنٌ شابٌّ مشرَّد عائدٌ من السبي لتوّه هكذا نبوءة تتنبّأ بتصارع كل الأمم على هذه المدينة الخربة. ففي ذلك العصر الذي كانت فيه مدن فارس وبلاد الرافدين واليونان ومصر في قمّة ازدهارها، كان من المستغرب أن يتحدَّث أحدٌ ما عن مستقبلٍ تطمع فيه الأمم كلّها بمدينةٍ كأورشليم لا يقدِّسها سوى ما تبقّى من مسبيي شعبٍ صغير، في زمنٍ لم يكن يوجد فيه لا ديانة مسيحية ولا أخرى إسلامية تطالبان بحقوقٍ رئيسية يكون لها الأولوية في تلك المدينة. فيبدو أنه كان من الحتمية التاريخية ادّعاء أكثر من دينٍ أحقّيته الأولى بمدينة أورشليم لكي تتم نبوءة زكريا، التي كانت تبدو غير منطقيةٍ أبداً عندما قيلت قبل خمسة قرون من المسيح.

 

          يذكر الفصل الثاني عشر من نبوءة زكريا ما يلي:

وحي كلام الربّ على إسرائيل. يقول الربّ باسط السماوات والأرض وجابل روح الإنسان في داخله: “هأنذا أجعل أورشليم كأس ترنُّحٍ لجميع الشعوب حولها، وأيضاً على يهوذا تكون في حصار أورشليم. ويكون في ذلك اليوم أنّي أجعل أورشليم حجراً مِشوالاً لجميع الشعوب، وكلّ الذين يشيلونه ينشقّون شقّاً. ويجتمع عليها كل أمم الأرض.”

من الواضح أنّنا نرى الآن تطبيقاً، ولو كان أوّلياً، للعبارة الأولى في النبوءة السابقة، فأورشليم اليوم بالحقّ هي كأس ترنُّحٍ بالنسبة للشعوب المحيطة بها، وبالتحديد الشعوب العربية، التي تسكر بذكر هذه المدينة، لأنها تعتقد بكل يقين بأنّ أعظم مقدَّساتها موجودة هناك. هذا الوضع الحالي لم يكن موجوداً أبداً في أيّام زكريّا النبيّ، قبل حوالي 5 قرون ونصف من نشوء المسيحية، وقبل ما يزيد عن أحد عشر قرناً من ظهور الإسلام، وإذا كان معظم مسيحيو العالم بشكل عام لا يجدون غضاضةً في مشاركة اليهود في المدينة، فإنّ معظم الشعوب الإسلامية مقتنعة بأنّ أورشليم (القدس) هي مدينة إسلامية في المقام الأول (مع الحفاظ على المقدَّسات الأخرى بشكل ثانوي، وربما لا ينوي بعض التكفيريين منهم الحفاظ عليها!).

          لا يمكن لأحد أن يستبعد بأنّ هناك يوماً قادماً ستجتمع فيه كل الأرض على أورشليم، فهي أصلاً  تجتمع عليها اليوم سياسياً، فهذه المدينة هي محور الصراع العالمي الأشرس في يومنا الحاضر. كما أنّ الثورات والانتفاضات العربية وما خلّفته من عشرات آلاف القتلى والمصابين، وما شاهدناه فيها من قتلٍ وذبحٍ واغتصاب وسحل وترويع يظهر لنا بأنّ هؤلاء سيكرِّرون ذات السيناريو يوماً ما، فيما لو تكرَّر المشهد داخل الأراضي المقدَّسة بالنسبة لمئات الملايين من البشر المعبَّأئين بحقدٍ لا يوجد له نظير في كل العالم تجاه اليهود، فهذا الحقد يقوم ليس على أساس صراع أرضٍ أو حدود فحسب، بل على أساس قاعدةٍ أيديولوجيةٍ ودينيةٍ- إسكاتولوجية (أخروية تتعلّق بنصوص عن نهاية العالم) لا يمكن محوها أبد الدَّهر. وبالمختصر فإنّ الوحشية البشرية لم تتغيَّر عبر العصور، وهي مستعدّة لتكرار أبشع السناريوهات الدموية مرّاتٍ ومرّات إن لزم الأمر.

          يكمل الفصل الرابع عشر من هذا السِّفر فيوضِّح:

“هوذا يومٌ للربّ يأتي فيقسم سَليك في وسطك. وأجمع كلّ الأمم على أورشليم للمحاربة، فتُؤخَذ المدينة، وتُنهَب البيوت، وتُفضَح النِّساء، ويخرج نصف المدينة إلى السبي، وبقيّة الشعب لا تُقطَع من المدينة. فيخرج الربّ ويحارب تلك الأمم كما في يوم حربه، يوم القتال. وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزَّيتون الذي قُدّام أورشليم من الشَّرق، فينشقّ جبل الزيتون من وسطه نحو الشرق ونحو الغرب وادياً عظيماً جداً، وينتقل نصف الجبل نحو الشمال، ونصفه نحو الجنوب. وتهربون في جواء جبالي، لأن جِواء الجبال يصل إلى آصل…ويأتي الربّ إلهي وجميع القدِّيسين معك.”

          من الواضح بأن المرّة الوحيدة التي حدث فيها مثل هذا السيناريو ضد بني إسرائيل كان في أيام دمار أورشليم عام 70م، ولكن هذا النص لا ينطبق على ذاك المشهد لعدّة أسباب:

أوّلها: أن الرب لم يجمع كل الأمم للمحاربة بل فقط أحد جيوش الإمبراطورية الرومانية بقيادة تيطس.

ثانيها: أن معظم الشعب قُتِل أو مات من الجوع، ولم يخرج إلا قلّة قليلة إلى السبي.

ثالثها: أن الربّ لم يأتِ إلى جبل الزيتون، ولم يحارب ضدّ الأمم، بل على العكس، فقد كانت تلك الأيام أيام دينونةٍ مهولة ومرعِبة على أورشليم وإسرائيل. وهنا يجب أن نذكر بأنّ العبارة التي تشير إلى مجيء الرب على جبل الزيتون تذكِّرنا بما قاله الملاكان للتلاميذ والرُّسُل مباشرةً بعد صعود يسوع المسيح إلى السماء: “…إنّ يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء.” ولا ينسى لوقا، كاتب سِفر أعمال الرسل ان يذكِّر بأنّهم “حينئذٍ رجعوا إلى أوورشليم من الجبل الذي يُدعى جبل الزيتون…” ( انظر أعمال الرسل1: 11و12). وإذا ربطنا ما هو وارد في زكريا مع أعمال الرسل يمكننا استنتاج أن يسوع سيعود إلى جبل الزيتون كما غادر الأرض منه.

رابعها: إنّ مجيء الرب في النبوءة السابقة ليس روحياً بل حرفياً، لأنّ النبي يؤكِّد أنه سيأتي ومعه جميع القدّيسين. وربما هنا يشير بشكلٍ غامض إلى عودة جماعة التلاميذ (الكنيسة) التي ستكون اختُطفت قبل هذه المعركة الأخيرة بأسبوع سنين (سبع سنوات).

          إنّ الحديث السابق عن اجتماع الأمم على أورشليم يذكِّرنا مباشرةً بما هو وارد في رؤيا يوحنا اللاهوتي حين يقول في الفصل السادس عشر من نبوءته بأنّه رأى “من فم التنّين، ومن فم الوحش، ومن فم النبيّ الكذّاب، ثلاثة أرواحٍ نجسة شبه ضفادع…تخرج على ملوك العالم وكلّ المسكونة، لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم، يوم الله القادر على كل شيء…فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعى بالعبرانية هرمجدّون”.

وهرمجدّون هذا هو موقع جبل مجدّو الشهير، الذي يطلّ على سهل يزرعيل الواسع القريب من ساحل البحر المتوسِّط، وغير البعيد عن أورشليم، وقد كانت هذه البقعة كانت مسرحاً للعديد من المعارك التاريخية الفاصلة، وهي مناسبة جداً لجمع مئات آلاف الجنود والمركبات والعتاد العسكريّ.

          إنّ هذه المعركة الأخيرة حول أورشليم ستكون علامةً على الجشع البشري غير المنتهي، وإثباتاً أنّ البشر سيبلغ بهم الجنون والحقد والكراهية، كما كان دوماً، أنهم سيتقاتلون على أرضٍ وحجارة لا تنفع ولا تضرّ.

مواضيع مرتبطة:

الثورات العربية: إعداد المسرح لحروب الأيّام الأخيرة

أمّةٌ على حافّة هرمجدّون

الطريق إلى وادي يهوشافاط

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.