ذنوب دمشق: 4-الجماعات المسلَّحة وخطيئة الرّياء


بقلم فادي أبو ديب

رغم أنني لستُ من أتباع المدرسة التشاؤمية في التاريخ، والقائلة بتكرار التاريخ لنفسه، إلا أنه لا يمكن أن أمنع نفسي من الدهشة وانا أرى السلوكيات والإيديولوجيات المتماثلة التي تتبعها أمم العالم وحركات التحرُّر والميليشيات المسلَّحة، وكيف أنّ القناعات المحرِّكة للفعل البشري لا تتعلّق بالديانات بقدر ما تتعلّق بمذاهب التفكير التي نجد لها نسخاً في كل الديانات والمذاهب والشِّيَع.

كنتُ قد تحدّثت في المقال السابق عن تعنُّت النظام السوري، أما في هذا المقال فسيكون سلوك وأيديولوجية الجماعات المسلَّحة هما موضوع حديثي.

في حوالي منتصف عام 2011 أعلنت جماعة مسلَّحة تتألّف من بعض الضباط  المنشقّين عن الجيش السوري إنشاء ما اصطلحوا على تسميته “الجيش السوري الحر”. ويعد هذا ظهر على سطح الأحداث جماعات مسلَّحة كثيرة في طول البلاد وعرضها، يتألف معظمها- حسب الواضح- من متطوّعين مدنيّين، بالإضافة لبعض مقاتلي الجماعات الجهادية من عدة بلدان . وقد اتخذت هذه الجماعات المسلّحة أسلوب حرب العصابات ونصب الكمائن وزرع العبوات الناسفة وتنفيذ عمليات الاغتيال بحقّ العديد من الضباط ورجال الأعمال، بالإضافة لمهاجمة بعض الأحياء السكنية ووسائط النقل في العديد من المدن والمناطق السورية. أما العقيدة المعلَنة لهذه الجماعات فتتلخّص في ادّعائها حماية المدنيين السوريين من بطش قوات النظام السوري، وسعيها لإسقاط هذا النظام لإقامة دولة عصرية ديمقراطية مدنية. ولا يُخفى على أحد طبعاً أن الأغلبية الساحقة من هذه الجماعات مُقادة بعقيدة إسلامية جهادية واضحة، مهما حاول بعض اتباعها ومناصريها نفي هذه الأيديولوجية واختصارها بعقيدة وطنية أو قومية عربية.

تماثل تاريخي:

إنّ الأسلوب الذي تتبعه الجماعات المسلَّحة المناهضة للنظام في سوريا تماثل إلى حدٍّ مذهل طريقة تفكير وشعارات وقضيّة وأسلوب قتال ما عُرف في فلسطين القرن الأول بطائفة الغيورين اليهودية المسلَّحة.

التفكير والأيديولوجية:

اعتقد الغيورون أنهم آخر التقاة من اليهود، وهم وحدهم المخلصون الحقيقيون لديانتهم وشعبهم، فقد كان الحكم الرّوماني قاسياً ظالماً، وقد فرض الرومان الجزية والضرائب على الشعب الفقير المقهور، وكان عملاء الرومان من جباة الضرائب اليهود، والذين كانوا يُسَمّون بالعشارين، يُعتَبرون أسفل فئات الشعب من الناحية الأخلاقية بسبب جورهم وظلمهم واختلاسهم أموال الفقراء بدون رادعٍ من خلق أو ضمير. ومن الجدير ذكره أنّ أحد أسباب حقد كهنة اليهود وبعض أتباعهم على يسوع المسيح هو أنه وبّخ كبرياءهم ونفاقهم أكثر مما وبّخ سرقة العشّارين الذين اعتبرهم أكثر تواضعاً وقابليةً للتوبة والإصلاح.

هذا الظلم الشديد بالإضافة للعامل الديني ساهما في زيادة نفوذ وقوة الغيورين Zealots  الذين بدوا في نظر البسطاء شجعاناً ومخلِّصين من الاحتلال، وقد كان هؤلاء “مملوءين شراسة وتعصباً للدين والوطن والقومية اليهودية وكان لهم النفوذ والسيطرة في المجال الحربي.[1] فأعلنوا ثورتهم الكبرى على الرومان في عام 66م، وتمكّنوا بسرعة من السيطرة على المدينة المقدَّسة والهيكل، كما هزموا العديد من الحملات العسكرية الرومانية وكبّدوها خسائر فادحة.

وقد فسّر هؤلاء المحاربون الكثير من الحوادث الفلكية من بروز للشُّهُب وحدوث للأعاجيب على أنها علامات اكيدة للنصر الإلهي القادم، فقد ظهر فوق أورشليم ولمدة سنة كاملة، نجم مذنب يشبه السيف. وحدث أن بقرة وضعت حملاً وسط الهيكل بينما كان رئيس الكهنة سيقدمها ذبيحة. والباب الشرقي الداخلي الضخم المصنوع من النحاس الذي كان يُحكم إغلاقه، ويقوم على غلقهُ عشرون رجلاً بصعوبة، شوهِد ينفتح من تلقاء ذاته أثناء الليل. كما شوهدت مركبات وفرق من الجند مدججين بالسلاح بين السحب فوق المدينة المقدسة [2]

هذه الأحداث التي يذكرها المؤرخ اليهودي الشهير فلافيوس يوسيفوس، الذي كان متردِّداً من ذكر بعض  الأحداث خوفاً من عدم تصديقه،  ولّدت نوعاً من العقيدة العسكرية-الدينية العمياء لدى الغيورين، وهذا يشابه إلى حدٍّ كبير العقيدة الخفيّة التي يملكها عدد كبير من قادة واعضاء وأنصار الجماعات المسلَّحة في سوريا، حيث أنّ بعضهم يعتقد جدياً بأن ملائكة نازلة من السماء بثيابِ بيض تقاتل إلى جانبهم، وأنّ “النصر الإلهي” لا بدّ قريب. كما يعتقد هؤلاء بأنهم هم وحدهم المخلصون الحقيقيون الصادقون، ولهذا فبرأيهم فإن أيّ عمل يلزم لإتمام هذا النصر جائز وممكن.

الشعارات والقضيّة:

اعتقد الغيورون بانّ نصرهم القريب على الرومان سيُتَوَّج بمجيء مسيحهم المخلِّص ليقيم لهم مملكة العدل والسلام التي ستسود العالم. كما آمنوا، كما فعل الكثير غيرهم من اليهود، بأنّ الرومان أنجاس لأنهم ببساطة من غير اليهود، وزاد ظلم هؤلاء المحتلّين وبطشهم من قوة رأي الغيورين بوجوب قتالهم حتى طردهم من كافة الأراضي اليهودية وتحرير الهيكل وإقامة دولتهم الدينية مع كلّ ما يتضمنّه ذلك من أحلامٍ وردية تثير مشاعر البسطاء  والمقهورين ورغباتهم. وقد اعتقد هؤلاء أنهم سيعيدون أمجاد المكابيين الذين هزموا السلوقيين في القرن الثاني قبل الميلاد وأقاموا حكماً قوياً حتى عام 63ق.م.

هنا نرى العقلية السياسية-العسكرية-الدينية التي تميّز كافة المتطرّفين الجهاديين الإسلاميين الذين يسعون لتكرار أمجاد القرون الماضية، متّخذين من أسماء القادة العسكريين والشخصيات القديمة موضوعاً لهوسٍ جمعيٍّ أعمى. فمعظم هؤلاء مقتنعون حقاً بأنّهم سيعيدون أمجاد الماضي الغابر وسيقيمون دولة العدل والسلام، بدون أن يروا الدّمار الذي يلحقونه بأنفسهم وبغيرهم.

الأسلوب القتالي:

اعتمد الغيورون على حشد المقاتلين ونصب الكمائن في الأماكن ذات الصعوبة الجغرافية مثل مناطق الجليل ومسعدة وبراري اليهودية ووادي قدرون القريب من أورشليم. وهذه على كل حال سياسة كل حركات المقاومة المسلَّحة التي تعتمد أساليب حرب العصابات.  وقد تمكّن الغيورون الذين حشدوا حوالي 60 الف مقاتل في الجليل من إبادة جيش سيستيوس المؤلَّف من 12 فيلقاً والآتي من أنطاكية للانتقام لهزيمة الحامية هناك. [3]

هذه الانتصارات الأوّلية زادت حماسة الغيورين فامتلؤوا صلفاً وكبرياءً ورفضوا محاولات القائد الروماني تيطس الذي حاصرهم في أورشليم بجيش قوامه 80 ألفاً من خيرة المقاتلين الرومان، للتفاهم معهم سِلمياً، وخصوصاً بعد أن كبدّوا جيشه خسائر فادحة في وادي قدرون وجبل الزيتون.

ورغم  ادّعائهم الخوف على مصلحة شعبهم فقد حكموا أورشليم بالحديد والنار، وبرزت من هؤلاء فرقة من القتلة المدعوّين بحملة الخناجر Sicarii  والذين كانت مهمتهم اغتيال قادة اليهود والكهنة وكلّ من يعارض سلوكهم وسياساتهم أو يشكّون بتعاونه مع الرومان. ورغم أن الموسوعة اليهودية تحاول التنصّل من انتماء هؤلاء لحزب الغيورين، إلا أنّ هذه المحاولة  فاشلة بمقدار فشل محاولة الفصل بين جماعة الأخوان المسلمين في سوريا و”الطليعة المقاتلة”.

ويذكر التلمود البابلي بأنّ هؤلاء “البيرونيم/ المتوحشين” قاموا بحرق مخازين المؤن والوقود الخشبي في أورشليم المحاصرة لأن ذلك كان باعتقادهم سيدفع الناس لقتال الرومان بشراسة من فرط اليأس!

ما الذي نسيه الغيورون فكان خطيئتهم القاتلة؟

يقول المؤرَّخ يوسيفوس: ” أنني لا أتردد في أن أبوح بما يؤلمني، أني أؤمن أنه لو أجل الرومان عقابهم لهؤلاء الأشرار لابتلعت الأرض المدينة، وأغرقها طوفان، وأحرقت بنار من السماء كما حدث لسدوم، لأن جيلهم كان أكثر شراً من أولئك الذين حلت عليهم النقمات في سالف الأزمان. [4]

نسي الغيورون بأنهم في الواقع كانوا أكثر فساداً من الرومان الكفرة بنظرهم. ورغم أنّ الرومان كانوا فعلاً فاسدين اخلاقياً لأبعد الدرجات، وكانت روما وأباطرتها وشعبها قد امتلؤوا فسقاً وفجوراً إلى حدّ بعيد، إلا أنهم لم يمتلكوا شريعةً أخلاقية صارمة كما كان يمتلك اليهود.

وكان اليهود الذيت يعتبرون أنفسهم قمة الطهر والإيمان أن يلتفتوا لسلوكهم وشعبهم بدل إدانة غيرهم. ولأنهم هم من كانوا يدّعون العلم بالإلهيات، فقد كانت عقوبتهم أوّلاً!

هذا ما نراه أيضاً في الجماعات المسلَّحة وحركات المقاومة التي تنتشر في طول بلاد العرب عامةً، وسوريا خاصةً. معظمهم (أو كلهم) شاركوا في الفساد لعقود. يبيحون لأنفسهم اغتيال وقتل من يعتبرونه خائناً بنظرهم. يدمّرون موارد البلاد بدون رادعٍ أخلاقي. وربما كلنا قرأ على صفحاتهم الرسمية دعواتهم لتعطيل المطارات المدنية وتخريب أقفال المؤسسات العامة والسكك الحديدية. وكلنا يرى ما يفعلونه من تدمير لخطوط نقل الوقود بحججٍ شتى. برأيهم أن كلّ هذا لخدمة “هدفٍ أسمى”، تماماً كما كان الغيورون يفعلون!

نهاية التعصّب:

لا يمكن لأحدٍ أن يشكّك في عدالة قضية الغيورين، كما لا يمكن لأحدٍ أن ينكر بطش الرومان وقسوتهم وظلمهم ووحشية جيوشهم وحكّامهم. ولكن بالمقابل، كان الشعب اليهودي يستحقّ الدينونة لأنه لم يكن أفضل حالاً من المحتلّين من الناحيتين الأخلاقية والروحية، لا بل كانت دينونته أسرع، كما ذكر يسوع المسيح، لأنه يدّعي معرفة الله وقوانينه وشرائعه.

بدون الدخول في التفاصيل الحربية، اجتاحت قوات تيطس أورشليم في صباح أحد أيام شهر تموز من عام 70 م، وارتدّ كلّ الغيورين للدفاع عن الهيكل بجنون هستيري. ويقول المؤرّخ يوسيفوس الذي لم يكن على كل حال من محبّي الغيورين، بأنّ المقاتلين أظهروا شجاعةً واستخفافاً بالموت قلّ نظيرهما. الحصيلة الأخيرة كانت مقتل ما يناهز المليون ومئة الف إنسان في أورشليم ومنطقة “اليهودية” المحيطة بها.

الجماعات السورية المسلَّحة كانت بشكلٍ أو بآخر سبب دمار العديد من المدن السورية ومسبِّب رئيسي في الأزمة الإنسانية والاقتصادية والدينية الواقعة في هذه البلاد، وإن كانوا يتهمون النظام بالكفر، كان يجب عليهم أن يثبتوا أنهم افضل، ولكنهم لم يفعلوا ولا بأي مقياس يمكن القياس به!

ما أثبته هؤلاء هو أنهم مستعدون لارتكاب أيّ شيء وللتحالف مع أيٍّ كان، وأن أحقادهم الشخصية أو الدينية او كليهما معاً تسبق أيّ مبدأ أخلاقي حقيقي. ولا ريب أن سلوكهم، بالإضافة لسلوك خصمهم، في حال استمراره على ذات الشاكلة سيتسبَّب في دمار دمشق نفسها.

 الهوامش:

[1]القمص ميخائيل جريس ميخائيل- مذكرات في تاريخ الكنيسة المسيحية،، 15-ثورة اليهود قبل الغزو الروماني

[2] القمص ميخائيل جريس ميخائيل- مذكرات في تاريخ الكنيسة المسيحية، 14- بشائر مشؤومة قبل خراب الهيكل

[3] الموقع الرسمي للموسوعة اليهودية http://www.jewishencyclopedia.com/articles/15185-zealots

[4] القمص ميخائيل جريس ميخائيل- مذكرات في تاريخ الكنيسة المسيحية،18-قصاص الله العادل بعد هدم أورشليم

مواضيع مرتبطة:

ذنوب دمشق:1- الكبرياء الدينيّ

ذنوب دمشق:2- قتل الضمير

ذنوب دمشق: 3-كبرياء أشور وخطيئة صدقيا



الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.