دمشق وحماة ودراسة النبوءة


بقلم فادي أبو ديب

تفنيد أسطورة:

هناك أسطورةٌ منتشرة في عالم اللاهوت المسيحي، مفادها أنّ كل ما كُتِب في الكتاب المقدَّس من نبوءات قد كُتِب في زمن معيَّن وكانت مهيَّئةً بالضرورة لفهم معاصريه، وأنّ هذه النبوءات لا يمكن أن تشير إلى أحداثٍ بعيدةٍ عن زمن معاصريها لأنّ ذلك، بحسب هذه النظرية- الأسطورة، يجعل المكتوب بدون معنىً للقارئ أو  السامع في زمن النُّطق بالنبوءة.

ولذلك يقول أصحاب هذا الرأي بأنّ حديث يسوع على جبل الزيتون في متى 24 لا يمكن أن يكون عن زمن الضيقة المستقبلي بعد آلاف السنين من أيامه لأنّ ذلك سيجعل التلاميذ لا يفهمون كلامه. وكذلك ينظرون لكل نبوءات العهد القديم على أنها مختصّة بزمن السبي وما قبله وما بعده بفترة قصيرة نسبياً. ويعتمد الكاتب المثير للجدل هانك هانغراف، رغم أنه لاهوتي محافظ، على هذا الرأي في كتابه الشهير المترجَم حديثاً للعربية “شيفرة الأدب الرؤيوي”، لنسف كثير مما يقوله سفر الرؤيا عن المستقبل.

وللعلم فإنّ هذه النظرة للنصوص هي نظرة المدرسة الليبرالية التي أسّسها اللاهوتي الألماني الكبير فريديريك شلايرماخر. ورغم أنّ هذه النظرة المختصّة بدراسة الظروف التاريخية والأدبية المحيطة بكتابة أيّ نص هي صحيحة وجديرة بالاحترام في دراسة التاريخ والفلسفة والأدب، إلا أننا لا يمكن تطبيقها دائماً على الكتاب المقدَّس، وخصوصاً على النصوص النبوية، لأنّنا هنا نتعامل مع عاملٍ رئيسي لا يدخل في باقي الكتابات: وهو الوحي الإلهي، الذي لا يمكن التكهّن تماماً بآليته، إن صحّ التعبير.

هل يوافق الكتاب المقدّس نفسه على هذه النظرة؟

في الواقع فإنّ الكتاب المقدّس نفسه ينقض هذه الطريقة التاريخية Historicist في موضعين على الأقل:

1- يقول نص إرميا 30: 24

” لا يرتدّ حمو غضب الرب حتى يفعل وحتى يقيم مقاصد قلبه. في آخر الأيام تفهمونها.”

كانت هذه العبارة الأخيرة “في آخر الأيام تفهمونها” كتحذيرٍ مسبَق للسامعين والقارئين الميّالين لتفسير نبوءة عودة العبرانيين على أنها تلي السبي مباشرةً. ويشير هنا بوضوح إلى انه يتحدّث عن زمن مستقبلي سيحصل في آخر الأيام، وهي زمن ما بعد قدوم المسيح الأول كما يمكننا أن نخمّن من عظة بطرس فس الفصل الثاني من سفر أعمال الرسل.

2- يتحدّث الرسول بطرس نفسه في رسالته الأولى بوضوح عن هذا الموضوع فيصرِّح في الفصل الأول من رسالته عن

“الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء. الذين تنبّأوا عن النعمة التي لأجلكم، باحثين أيّ وقت، أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها،  الذين أعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم بل لنا كانوا يخدمون بهذه الامور التي أُخبرتم بها أنتم الآن بواسطة الذين بشّروكم في الروح القدس المرسَل من السماء التي تشتهي الملائكة أن تطّلع عليها.”

من الواضح إذن انّ بعض النبوءات التي نطق بها الأنبياء عن مجيء المسيح الأوّل لم تكن مفهومة بوضوح لمعاصري النبوءة، بل هي لمن جاؤوا بعد قرونٍ طويلة، وهذا يفسّر لنا أحد أسباب عدم فهم كثير من يهود عصر المسيح للنبوءات، كما حدث مع الكتبة والفرّيسيين، وحتى مع تلميذي عمواس.

ملاحظة أخرى بشأن النبوءات:

مما يثير الغموض في موضوع النبوءات هو دمجها لفترة زمنية طويلة أحياناً في نص واحد أو في نصوص متقاربة. فنقرأ مثلاً في بداية الفصل 19 من إشعياء ما يشير إلى دينونة مصر في زمن الفراعنة بينما نهاية الفصل تشير بوضوح إلى نهاية الدهر. كما نقرا عن نبوءة دينونة صور في الفصل 23 من إشعياء، في حين انه ينتقل مباشرة في الفصول الثلاثة التالية من 24 حتى 27، والتي تُعرَف أحياناً باسم “رؤيا إشعياء”، لوصف أحداث نهاية الدهر ودينونة الأرض والمعارك التي ستحصل وحالة السلام التالية ومُلك الرب في أورشليم. وكذلك نقرأ عن مجيء المسيح الوديع الذي يركب حماراً وهو داخلٌ إلى أورشليم في زكريا 9، ثم نقرأ في زكريا 14 عن مجيءٍ عاصفٍ للمسيح حين تنزل قدماه على جبل الزيتون ليحارب الأمم.

وكذلك نجد أنّ الدينونات على المدن قد حصلت على مراحل في بعض الأحيان، وتتحدّث دائرة المعارف الكتابية عن عدة مراحل لدمار صور واردة في نص واحد هو نبوءة حزقيال 26: 3-21. وقد استغرقت هذه النبوءة قروناً لكي تتم بالكامل. لذلك يشبّه بعض الدارسين نصوص النبوءات بسلسلة قممٍ جبلية متتابعة قد لا يرى الناظر سوى القمّة الأولى التي يجب الوصول إليها  من أجل رؤية القمة الثانية المحجوبة بواسطة الأولى، وهكذا دواليك.

نصٌّ آخر يثبت هذه النظرة وهو نص حزقيال 38-39، فحتى من لا يؤمنون بتعلّق هذا النص بمعارك آخر الأيام (وذلك بسبب تمسّكهم بنظريات معيّنة)، لا يمكن لهم إيجاد أيّ حدث تاريخي معاصر أو تالي بفترة قصيرة لزمن النطق بالنبوءة، فلا يوجد أيّ حدثٍ تاريخي يشبه ولو من بعيد قدوم الأممٍ العديدة المذكورة للقتال على جبال إسرائيل. والنص نفسه يصرِّح بوضوح، منعاً لأيّ التباس، فيقول بوضوح مخاطباً قائد الحملة العسكرية المستقبلية “في السنين الأخيرة تأتي إلى الأرض… “، لذا فلم يكن من المنطقي أن يتوقّع سامعو حزقيال تطبيقاً مباشراً للنبوءة.

النبوءات عن دمشق وحماة (؟):

بالاستناد للعرض الملخَّص اعلاه لبعض الملاحظات حول النبوءات، يجب أن نعيد النظر في قراءة النبوءات الواردة عن دمشق في إشعياء 17 وإرميا 49. فالنبوءة الأولى تصرِّح بوضوح في مطلعها:

“هوذا دمشق تُزال من بين المدن وتكون رجمة ردم”

وبعيداً عن مشاعرنا وعواطفنا التي تُثار عند قراءة هذا الكلام بحقّ واحدة من أعرق المدن الجميلة في العالم، فإنّ العبارة لا يمكن لها أن تكون أكثر وضوحاً. تكملة هذه النبوءة غامضة وربما تشير إلى بعض الأحداث التاريخية المختلطة بأخرى مستقبلية، بشكل قريبٍ للنبوءة “المراحلية” التي ذكرناها عن صور فيما سبق. وإن كان هذا هو الحال، فكأنّ النبوءة تعطي في عبارتها الأولى:  “هوذا دمشق تثزال من بين المدن وتكون رجمة ردم” النتيجة الأخيرة للدينونة المقسّمة على مراحل. تبدأ بالخلاصة الأخيرة المستقبلية، ثم تعود خلفياً لتذكر التفاصيل.

إرميا نفسه حزن على دمشق الجميلة، فيقول في الفصل 49 من نبوءته:

” 24 ارتخت دمشق والتفتت للهرب. أمسكتها الرِّعدة وأخذها الضيق والأوجاع كماخض .

 25 كيف لم تُترَك المدينة الشهيرة قرية فرحي؟!

 26 لذلك تسقط شبّانها في شوارعها وتهلك كلّ رجال الحرب في ذلك اليوم يقول ربّ الجنود.

27 وأُشعل ناراً في سور دمشق فتأكل قصور بنهدد.”

هل اسم “بنهدد” يشير إلى تطبيق تاريخي تمّ وانتهى؟ في الحقيقة ليس بالضرورة؛ فقصور بنهدد أصبحت رمزاً لدمشق ومجدها في ذلك الوقت؛ وبحسب دائرة المعارف الكتابية، لم يكن هناك من “بنهدد” في أيام إرميا، فبنهدد الثالث كان موجوداً قبل إرميا بأكثر من قرنٍ من الزمان؛ وكأنّ عبارة “قصور بنهدد” أصبحت رمزاً لمدينة دمشق، تماماً كما أصبح اسمها لاحقاً “عاصمة الأمويين” رغم انتهاء حكمهم منذ حوالي 1300 عام. ويتّضح ذلك من نبوءة عاموس القائلة: ” فأرسل ناراً على بيت حزائيل فتأكل قصور بنهدد.”.

يتبيّن هنا أنه ورغم وجود حزائيل على رأس مملكة دمشق إلا أنّ النبوءة ما زالت تستخدم اسم بنهدد.

مرّةً بعد الأخرى تبقى المدن المُدانة في النبوءات تتعرّض للدينونات، فهل ما يحدث في حمص وحماة اليوم من أحداث مرعبة ودمار منتشر، وهما جزء من “مملكة حماة” المذكورة أيضاً في إرميا 49، مجرّد أحداث تاريخية طائشة؟ لماذا شهدت حماة عبر التاريخ العديد من المجازر، ليس آخرها ما يحدث هذه الأيام؟

بالطبع هذا ليس ظُلماً كما قد نظنّ عند النظر للأمور بسطحية وإنما هي نتيجة أخطاء متراكمة في الفكر والسلوك، وعقلية لم تتغيّر كثيراً عبر العصور.

ويبقى العلم الكامل عند معطي النبوءات!

هل يجب أن نحزن ونكتئب؟!

بالتاكيد لا يمكن منع مشاعر الحزن أو الخوف، ولكن عندما نعلم أنّ كل هذه الأحداث وغيرها هي مخاض لولادة عالمٍ جديدٍ يحكمه المسيح القادم للمرّة الثانية، يشتعل الرّجاء لدينا بإنّ الأفضل هو القادم في النهاية. هناك حيث لا دمار ولا خراب!

مواضيع مرتبطة:

وحيٌ من جهة دمشق

ذنوب دمشق:1- الكبرياء الدينيّ

ذنوب دمشق:2- قتل الضمير

ذنوب دمشق: 3-كبرياء أشور وخطيئة صدقيا

ذنوب دمشق: 4-الجماعات المسلَّحة وخطيئة الرِّياء

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.