الفرّيسيون والمراؤون…منارتنا!


بقلم فادي أبو ديب

لا أنكر أنّني بحاجةٍ شديدة للفرّيسيين والمرائين في هذا العصر، فهم الشعلة التي تنير دربي، بأن أرى ما يفعلونه من سلوكٍ وطرق تفكير وأفعل ما يعاكسها تماماً. هم يدلّونني على باب الحرّيّة عندما أراهم يدخلون من الأبواب الأخرى. هم الذّين أتعلّم بواسطتهم معنى الحرّيّة أساساً عندما أرى أين أودت بهم حرّيتهم المزعومة. هم الإثبات الأكبر على خطأ ما يعرفون وما يعتقدون وما يفعلون. نظريّاتهم ليست بحاجة إلى برهان، فهم أنفسهم نقض الفرض أصلاً. عقائدهم ليست بحاجة إلى فحص، فمبادئهم وحدها كفيلة بالقضاء على فاعليّة كلّ صحيحٍ في العقيدة من جذوره.
خطأهم القاتل قد لا يكون في تفسيرٍ هنا وشرحٍ هناك، وليس في تفصيلٍ هنا ورمزٍ هناك، كما أنّه ليس في إيمانٍ هنا ولا إيمانٍ هناك، بل خطأهم في أنّهم لا يحفظون لأنفسهم طريق رجوعٍ من الخطأ، حتى إذا أسرفوا في غِيِّهم أفتوا له ودعّموه بدلاً أن يعترفوا بقابليتهم للخطأ. فهم يرون أنّهم محصَّنون وكأنّ القدير اختصّهم دون غيرهم، أو قل أنّهم قد حصّنوا أنفسهم بثقة عمياء في أنفسهم، تدّعي شفاههم أنها مرسَلة من ربّ الكون!

في كلّ مرّة أسمعهم أو أقابلهم أعرف أنّه قد قُسِم لي نصيبٌ من الصواب فيما أبحث، وما أكثر أخطائي التي لا أستحي بها! ولماذا أخجل مما أنا عليه، طالما أنّي أبذل جهداً آمل أن يكون لا بأس به؟! لا أدّعي النجاح فقد سبقني عددٌ لا يُحصى به من أخوتي بني الإنسان، ولا أدّعي التفوّق فهذه المعمورة يسكنها سبعة مليارات ونيّفٌ من البشر. حسبي أن ألحظ في نفسي تغيُّراً عن أحوالي السابقة، ويا له من فرحٍ لا يعدوه فرح لمن أنعم الآب عليه بهذه الملاحظة! ذروة صلاح الفرد فيما أرى هو أن يعمل على أن يكون في لحظةٍ قادراً على نسف كلّ ما يعتقد به أو يفعله إن تبيّن له خطأه.

يمكننا ان نقول الكثير في هذا المقام من الحديث، ولكن حسبُنا ان نقول لهم باختصار: تابعوا يا سادة فأنتم منارتنا التي لا تنطفئ! لا يهمّ كم تعترفون بالقول بأنّكم خطاة ناقصون، فإن لم تمتلؤوا بهذه المعرفة امتلاءً فلا أظنّ أنكم تنتفعون شيئاً.

22 comments

  1. مقالة جميلة.
    “ذروة صلاح الفرد فيما أرى هو أن يعمل على أن يكون في لحظةٍ قادراً على نسف كلّ ما يعتقد به أو يفعله إن تبيّن له خطأه”. صحيح تماما. هي قمة الحكمة والتعقل.
    “عقائدهم ليست بحاجة إلى فحص، فمبادئهم وحدها كفيلة بالقضاء على فاعليّة كلّ صحيحٍ في العقيدة من جذوره” لا أتفق معها أبدا. وإلا لحكمنا على فساد العقائد جميعها دون استثناء.

    • شكراً جزيلاً.

      لاحظي أن العبارة الأخيرة لا تتكلم عن فساد العقائد بل عن المبادئ التي “تشل” أو تقضي على فاعلية ما هو صحيح في العقائد، أي تعطله، أو يتحول إلى حبر على ورق.

      مثلاً بعض المبادئ الاقتصادية تشل عمل التقوى حتى لو بقينا معترفين بهذه التقوى باللسان.

  2. بصراحة لم أفهم التعليق، لذا دعني أستبدل الجملة السابقة بالجمل التالية التي أعتقد أنها شرحت الجملة التي استخدمتها أنا سابقا:
    “هم الإثبات الأكبر على خطأ ما يعرفون وما (يعتقدون) وما يفعلون. نظريّاتهم ليست بحاجة إلى برهان، فهم أنفسهم نقض الفرض أصلاً”

    • المقصود أن بعض المفاهيم العملية التي يتبعها الشخص في حياته أبطل فعالية العقائد حتى لو كانت صالحة في ذاتها.

    • ليس بالضرورة. القصد أن المعتقد قد يكون شكل لغوي موروث منفصل تماماً عما يفعله الإنسان في بعض الأحيان. هناك دراسات وجدت أن الإنسان يؤمن أحياناً بما يفعله وليس العكس.

  3. أنت غالبا تلتف على أسئلتي ولا تجيب عليها بشكل واضح ومباشر :)

    جملة “ليس بالضرورة” قد تنقض المقالة بأكملها.

    • 😁😁 أحاول أن لا أجيب على ما أعتقد أنه يحتاج إلى بحث آخر. ولكن أعتقد أن الإجابة على سؤالك السابق هي نعم.
      ثم، لا بأس ببعض الاستفزاز 😊

  4. ما يحتاج بحثا آخر هو شيء غير موثوق. إذا أنت تكتب وتؤمن بأشياء لست واثقا من صحتها تماما.

    • في بعض الأحيان أكتب آراء عن مسائل محددة، وبعد سنوات قد أعيد النظر في بعضها أو كلها. هذا طبيعي.
      هناك أمور جديدة نعرفها أو نتعرف عليها
      وتلقي أضواء أخرى على ما كنا نعرفه سابقاً.

      نحن لا نقرأ وندرس لنؤكد فقط ما كنا نعرفه سابقاً بل لنكتشف الجديد أيضاً.

      وأنت شخصياً وافقت تماماً في اقتباسك الأول على أن الإنسان قد ينسف أحياناً ما يعتقد به ويغيره تماماً 😊

    • بلى، أؤمن، لا بل زدت إيماناً بأن المبادئ العملية تشل العقائد النظرية إلى حد كبير وتجعلها حبراً عل ورق، أي إن الواقع الذي نعيشه قد يشل الشعارات إذا كان نقيضاً لها.

  5. لكن العقائد النظرية أُرسلت لتصحيح الواقع الذي نعيشه وليس العكس.

    الإيمان بفكرتك يجعل الأديان والكتب المقدسة أشياء عبثية لا فائدة منها.

    • لا أبداً. كل إنسان يختار ما يشاء. إذا تنبه إلى أن مبدأ حياته يشل فاعلية شعاره يمكنه أن يراجع نفسه ويرى ما يجب فعله في هذا الخصوص.

    • لا يمكن إعطاء جواب شاف لهذا السؤال. بل يجب سؤال كل إنسان عنه. فالاعتناق درجات تتراوح بين الالتزام الحرفي بحرفية نص معين وصولاً إلى استنباط مبادئ عامة وفضفاضة بعض الشيء من هذا النص.

      ومن ناحية أخرى بعض المبادئ الحياتية يلتزم بها الإنسان عن وعي، بينما بعضها الآخر يكون موروثاً من دون تفكير، وهناك جزء ثالث تحركه غريزة البقاء.

      يمكن أن نجد مثالاً في شخصية أحمد عبد الجواد في رواية “بين القصرين” لنجيب محفوظ، حيث يجتمع في شخص عبد الجواد التدين الطقسي من جهة والعربدة من جهة اخرى والمحافظة المتزمتة التي يفوق بها أقرانه التجار داخل منزله من جهة ثالثة.

      كما يمكن أن نقرا عند كارل يونغ عن العوامل التي تجتمع في شخصية الإنسان والتي يمكن يكون للعوامل اللاواعية دور كبير فيها. فالإنسان لا يبدأ بالتفكير بعقله الواعي إلا بعد سن معينة في حياته، وهذا التفكير الواعي قد يبقى محصوراً في جوانب معينة من جوانب الحياة تتعلق على سبيل المثال بالطقوس الدينية ولا تمتد للتفكير بالممارسة المهنية مثلاً؛ فنجد شخصاً متديناً ولكنه تاجر لا أخلاقي من ناحية أخرى. لا يمكن دوماً اتهام القراءة الخاطئة أو المعوجة للدين بهذا التناقض، بل هو مجرد تناقض عفوي سببه عدم تطبيق مبادئ الاعتناق كلها على مبادئ الحياة. لذلك نرى أيضاً شخصاً يدعي أنه مناضل اشتراكي وهو في نفس الوقت رجل أعمال من أصحاب الملايين. أحياناً يكون التناقض مرئياً للشخص وهو يتابع فيه لسبب معين، وأحياناً لا يكون هذا التناقض واعياً ومعروفاً عند الشخص.

      وبالمختصر، لا توجد إجابة واحدة للسؤال أعلاه.

  6. يستحيل أن يكون الشخص متدينا ولا إخلاقيا. التدين هو الأخلاق بالدرجة الأولى. أما أن يكون متدينا ولا أخلاقياً فهذا معناه أنه منافق وليس معناه أنه يعيش تناقض عفوي لا يشعر به لأن السيد كارل يونغ قرر ذلك 🙂
    لا أحب الدعوات التي تسخف الإنسان وتجعل منه شخصا محكوما بالواقع واللاوعي وما إلى ذلك. كل إنسان بيده أن يفكر أو لا، وبيده أن يختار طريقه بنفسه والدليل على ذلك أننا نختلف عن آبائنا وبيئتنا ونكون فكرا خاصا بنا ومنهجا لحياتنا نرتضيه لأنفسنا. طبعا لا أنكر أننا نتأثر ببيئتنا وتربيتنا لكننا نعيد تشكيل أنفسنا بصورة كبيرة إذا نحن قررنا ذلك.
    فكرة أن الإنسان محكوم تماما بشيء معين هي فكرة ظالمة تجعل من غير العادل محاسبته على أفعاله.

    • لا أحد يسخف الإنسان. والدراسات النفسية متعددة وكثيرة وفيها شروحات كبيرة لأطوار الإنسان ولسلوكياته. لا أحد يقول أن الإنسان محكوم باللاوعي. كما ذكر أعلاه، في الإنسان عوامل متعددة وتتفاوت بين فرد وآخر، فنرى إنساناً عقلانياً ونرى إنساناً يحكمه شعور القطيع، ونرى ثالثاً متذبذباً وهكذا.
      محاولة وضع الإنسان في إطار واحد من الناحية العملية من الصعب أن تنجح. وكوننا نحب هذا الأمر أو ذاك لا يعني أن هذا الأمر صحيح بالضرورة. لهذا بالطبع ندرس ونتعلم
      ونقرأ ونتغير.

      أحياناً يكون تفكير الإنسان هو تخديداً ما يبين عنده تأثير اللاوعي وخاصة عندما ينطق بصوت المجموع أو حين يقوم ببعض ردود الأفعال أو تصدر عنه بعض الزلات. ولعل الزلة الفرويدية أشهرها إذا صحت.

      التناقض العفوي هو مستوى أعمق من النفاق، ولا يلغي النفاق طبعاً.

  7. أنا لا أحاول وضع الإنسان في إطار واحد، وأعرف تماما أن هناك إنساناً عقلانياً وإنساناً يحكمه شعور القطيع، وثالثاً متذبذباً، لكن أعتقد، والله أعلم، أنهم اختاروا ذلك بأنفسهم. قد أكون مخطئة لكن هذا ما أراه منطقيا.

    لا يمكننا أن نكون ملائكة، وليس مطلوبا منا ذلك أصلا. لكن شخصيا أعتقد أنه بإمكاني أن أكون إنسانا، وبإمكاني أيضا بمنتهى السهولة أن أكون شيطانا! الأمر يرجع لي أولا وأخيرا.

    • أعتقد أننا متفقان إلى حد كبير هنا. يفترض أن الإنسان حر في جوهره، ولكن الوصول إلى هذه الحرية التي تجعل الإنسان صانع قراره بالفعل يحتاج أحياناً إلى ما يشبه المعجزة، لهذا دورنا أن نرحم بعضنا بعضاً ولا نحكم على باطن قلوب بعضنا البعض قدر الإمكان.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.