لماذا لا أعتقد بالديانة المسيحية؟


بقلم فادي أبو ديب

“إنّها كلمات قليلة لا تصف إلا شيئاً بسيطاً مما يصعب وصفه  من مفهوم الإنسان الحقّ”

يخطئ الكثيرون عندما يعتقدون أنّ عبارة “تلميذ ليسوع المسيح” هي صيغة أخرى أكثر ذكاءً من كلمة “مسيحي”، ولكن هذا غير صحيح البتة في عصرنا الرّاهن، فرغم أنّ التلاميذ في أنطاكية أُطلق عليهم وصف “مسيحيون” منذ القرن الأول (ولم يكن هذا هو الوصف الأول الذي يُطلَق عليهم)، إلا أنّ ذلك كان قبل نشوء أيّة صياغات ومذاهب لاهوتية رسمية متطوّرة مرتبطة بشكل رئيسي بعناصر ثقافية وسياسية واقتصادية وطائفية متعدّدة ومتنوّعة.

الديانة المسيحية اليوم مؤلّفة من مجموعة طوائف مختلفة، ومتباينة جداً أحياناً، بحسب ظروف نشاتها وبحسب ردود أفعالها على التحدّيات السياسية والثقافية والاجتماعية التي حصلت خلال 2000 عام من تاريخ رسالة يسوع المسيح الناصري.

وكلّ طائفة موجودة بشكل رسميّ منظّم لديها فِكر لاهوتي، تقترب  بعض عناصره من الكتاب المقدّس ويبتعد البعض الآخر من هذه العناصر بطرق متفاوتة. وعلى مستوى أبسط، يمكن ملاحظة أنّ كل جسم كنسي مؤسساتي ضمن الديانة المسيحية لديه محبّذات ومحرّمات ثابتة أو شبه ثابتة، موضوعة أيضاً كردود أفعال على ظواهر مجتمعية وسياسية وثقافية معيّنة.

بالمختصر فإنّ الديانة المسيحية اليوم، هي ظاهرة جمعيّة شعوبية مؤلفة في الحقيقة من “مسيحيّات” مختلفة، كلّ منها يدعم طريقةً سياسية واقتصادية وثقافية منظّمة معيّنة، وهذه الديانة لا علاقة مباشرة لها بفحوى رسالة يسوع الناصري القائمة على المعرفة القلبية للآب الخالق، والمتخلّصة تماماً من كلّ عقد التحزّبات والعصبيّات والتجمّعات الانعزالية التي تصنّف الناس إلى “يهودي” و”سامري”. فالديانة المسيحية وظاهرة التلمذة الروحية والفكرية والقلبية لشخص يسوع الناصري هما ظاهرتان منفصلتان تماماً، قد تتقاطعان أحياناً عن طريق بعض الأفراد وجماعات الأفراد بحكم وجود القيود الاجتماعية والسياسية العديدة.

كوني لا أعتقد بالديانة المسيحية فهذا يعني أني غير ملتزم بالولاء الفكري والقلبي الخالص لأيّ جماعة منظّمة، مع احترامي الشخصي الخالص والقلبي للكثير من الأفراد ضمن الكثير من الجماعات المتنوّعة من منطلق كونهم تلاميذ فكريين وروحيين للمعلّم يسوع المسيح. وكوني لا أعتقد بالديانة المسيحية فهذا يعني أيضاً أنني لن أقول “كذا” لأنّ جماعة ما تقول “كذا”، فطريق المعرفة القلبية والروحية هي طريقٌ وعرة وصعبة، فيها الكثير من السّقطات والنجاحات والضعفات، لكنها في ذات الوقت طريقٌ مشرِّفة ومليئة بالشفافية وعدم التقيّد بمقولات رسمية جاهزة، تريد أن تعطي صورة ما في مكان ما لمجموعة ما.

السائر في هذه الطريق الوعرة والصعبة والحلوة يفتخر بالإنسان الفرد الآخر مهما كان، ويحبّه لأنّه إنسان وليس لأنه من هذه الجماعة البشرية أو من غيرها، وليس لأنه يؤمن بما يؤمن تلميذ المسيح به أو لا يؤمن؛ وهذه السّائر يرحّب بهذا الإنسان، سواء مشى في ذات الطريق أم لم يمشِ، وسواء رافقه ميلاً وميلين أم لم يرافقه، طالما أنّه لا يعيقه ويضع أمامه المعاثر. وهذا السائر يعترف أيضاً بأنه يقع كثيراً من الأحيان فريسةً للكراهية والضعف والمشاعر الرّهيبة، ويكره بعض المقولات ولا يستطيع تحمّلها.

لا أعتقد بالديانة المسيحية لأن “الديانة” و”النعمة الإلهية” مفهومان لا يمكن أن يلتقيا، فالديانة فيها التزامات جمعيّة وقولبات مختلفة، وحدود للمحبّة مهما تعاظمت، أما النعمة الإلهية ففيها تطرّف في القبول واللاانتماء للحزبيّات (بحسب المقياس البشري)، فيسوع المسيح لم يكن مؤسِّساً لدين بل معلِّماً لحياة، هي افضل بما لا يُقاس، هي حياة المعرفة بأنّ الآب الخالق يرغب للإنسان بأن يدركه ويدرك صورته الموجودة في اعماقه المغلقة. وهذه المعرفة أبدية لا تموت، لأنها معرفة لأبديٍّ لا يموت.

يسوع المسيح أسّس جماعة تلاميذ، جماعة أفراد متحابّين بدون صفة رسمية معتَرَف فيها أمام الحكومات والدُّوَل، لأنّ ما لديه لم يكن مما تدركه نُظُم العالم التي لا تستوعب إلا القوالب المدروسة بعناية ودقّة.

لم يؤسِّس يسوع المسيح ديناً آخر، لأنّ الدين كظاهرة جمعيّة مصيرها الفشل، لأنّ كل قانون مصيره الاختراق والفساد.

بنى يسوع بناءه على أسس: محبّة الله من كل الفكر والقلب والعقل، ومحبة القريب كالنفس، أما صليبه فلم يكن إلا إثباتاً على أنّ نظامه يتناقض تماماً مع نظام العالم الذي لم يجد بُدّاً من قتله، لأنه بشّر “بملكية” غير “ملكية قيصر”، وبروحيّة مخالفة للفهم الناموسي الضيّق لله.

إنّ معظم العهد الجديد، مثله كمثل العهد القديم؛ فكلاهما سجلّ تاريخي جليّ للفشل المستمرّ في إصلاح الحالات الجمعيّة، وما محاولات الأنبياء والرُّسُل سوى إظهارات لهذه التجارب التي باءت كلّها في النهاية بالفشل الذريع، ونتج منها تلاميذ منفردين أو جماعات من الأفراد المبعثرين هنا وهناك.
والتاريخ اللاحق يشهد على ذلك!

هذا السجلّ الذي أرّخ الفشل بحروفٍ باقية حتى مجيئه (وليس للأبد) هو إثباتٌ “موحىً به” بأنّ هذه هي حال الجماعات، وأنّ صورة المسيح الحقيقة ليس لها مكانٌ أكثر بهاءً إلا فيه. فعدم كمال الجماعات ليس شيئاً فيه حكمة إلهية، بل هو حقيقة مؤسفة يجب أخذها بجدّية، وأن يكون دليلاً للتلاميذ الأفراد على طبيعة الحقيقة الوجودية التي هم بصدد العيش فيها هنا في هذا الدّهر، فايّ قانون جمعيّ يحمل في داخله شيء من الرّياء، مهما كان إخلاص منظّميه، لأن القانون في طبيعته هو ظاهرة مفتعلة تبغي إبراز أو إحداث صورة مؤقتة، غير ثابتة، وغير موجودة في الحقيقة، أما التلميذ الحقيقي، الفرد، الضعيف، المناضل، فهو يقول “أنا هنا، اقف، ضعيفاً، ولكني قوي من حيث أني أعرف حجمي وماهيتي وحقيقتي الحالية التي أحبّها، أو أعرف شيئاً بسيطاً منها، والتي لست مضطرّاً أن أخفيها أو أغيّرها لتناسب آخراً ما، بل أرغب أن أغيّرها لتصير على صورة ذاك المعلِّم.”

موضوع مرتبط:

بيان كاتب المدوّنة

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.