حول المنهج الأصولي في التعاطي الفِكري


بقلم فادي أبو ديب

في كلّ عصر، ينظر الجمع المستكين والمستسلم للدوغمائية إلى من يقوم من بينهم ليطرح الأسئلة ويحاول الإجابة عنها، أو ليحاول هدم بعض دوغمائياتهم، او شرحها بطريقة أخرى، ينظرون إليه باستغراب واستهجان وإدانة. وهذا الجمع المستكين يتألف من كلّ الشرائح والفئات العليا والدّنيا من حيث الثقافة والعلم والمكانة في المجتمع. وبهذا السلوك، تبيِّن هذه الفئات المكوِّنة للجمع أنها تجهل أنّ كثيراً من دوغمائياتها نفسها كانت نتاج ردود أفعال ثورية أو إصلاحية على دوغمائيات وتعاليم جامدة سابقة. وهنا يتجلّى تناقض الأصولية مع التاريخ، فهذه الأصولية ليست نوعاً من التفسير أو طريقة في الشرح بقدر ما هي عقلية تحكم النظر للأمور، وتجمّد التاريخ في نقطة ترتاح إليها هي.
الفكرة الصالحة للحياة هي الفكرة القادرة على استيعاب غيرها ومجادلتها، ومن ثم هضمها واستيعاب عناصرها أو لفظها خارجاً أو الاتحاد معها، أما الأفكار التي تحاول أن تستأثر بالجوّ العام بطريقة قسرية أو ديماغوجية، فهي أفكار ضعيفة لا تستطيع أن تواجه أو تجادل أو تناقش أو تتفاعل، ولهذا فهي لا تمتلك شرف أن تُدعى أفكاراً صالحة أو حقائق.
وهنا أجد أنه يجدر بي التأكيد على أني لا أبحث في “ماهية الحقيقة”، فانا أعتبر بأنّ الحقيقة الوجودية في خطوطها العريضة، من حيث الخلق والقانون العام والمآل النهائي، موجودة في ما يُصطَلَح على تسميته بالكتب الدينية المقدَّسة، وذلك انطلاقاً من معتقدات معينة خاصة بي ككاتب لهذه السطور، وأيضاً ليكون لدي حد أدنى مشترك أستطيع من خلاله مناقشة التوجّه الأصولي في التفكير.

وعادةً ما تلجأ معظم الأصوليات إلى استمداد دليل حقيقيتها من واقع اضطهادها الماضي أو الحاضر، أو من حيث كونها قلّة، ورغم الدلالات المهمّة لهذه الظواهر (على الأقل من وجهة نظري الشخصية)، إلا أنها غير كافية، لأن الأصوليات غالباً ما تعمي نفسها عن حقيقة أن كلّ مجموعة بشرية تقريباً اضطهدت بشكل أو بآخر الجماعات الأخرى متى استطاعت إلى ذلك سبيلاً، فالتاريخ يظهر في كثير من المناسبات عبر كلّ العصور بأنّ كلّ جماعة بشرية ذات عقل جمعيّ لا يحترم خيارات الأفراد، اضطهدت غيرها باسم امتلاكها الحقّ المطلق حتى في بعض التفاصيل التي يمكن اعتبارها تافهة. وبعيداً عن الرومانسيات الكاذبة للعقول الجمعيّة، فإنّ الوقائع تشير إلى أنّ كل فئة من الفئات الموصوفة آنفاً تعمل على طمس تاريخ سلوكها وتصرّفاتها المشينة التي ربما كانت سبباً في اضطهادها، وذلك لكي لتظهر للحشود بأنها الفِرقة التي تمتلك تفاصيل الحقيقة.

وبرأيي فإنّه من المقبول أن يعتقد أيّ فردٍ أو جماعة أنه يمتلك الحقيقة أو شيئاً منها، طالما أنّهما يعملان بفاعلية عن طريق هذا المخزون الذي يمتلكانه في سبيل الخير العام، والذي أرى أنّ مقياسه الأساسي هو إعطاء مصلحة الأفراد قيمة مساوية لمصلحة الجماعات، بدون أن يتحوّل الفرد إلى وقود لخدمة الجماعة، وبدون أن تتحوّل الجماعة إلى جيش يعمل كخادم لفرد.
وهكذا فإنّ الحقيقة التي يعتقد بها فرد ما أو جماعة ما، يجب أن تظهر للعلن على شكل عملٍ إيجابي مستقلّ بذاته وذي دوافع منفصلة عن دوافع كراهية الجماعات الدينية أو الإثنية الأخرى، ولا يعتمد على مهاجمة هوية الأفراد والجماعات الآخرين. وهنا نجد بأنّ معظم الأصوليات تسقط في هذا الفخ، عامدةً أو غافلة؛ حيث أنّ معظم جهودها تتركّز في إظهار الأخطاء المفترضة للآخر (وربما كان هذا صحيحاً) أكثر من تقديمها شيئاً إيجابياً أو نموذجاً فكرياً بديلاً ومتكاملاً، يضع الجميع على قدم المساواة والاحترام؛ لا بل أنّنا نرى أنّ كثير من المعتنقين للفِكر الأصولي غارقون حتى قمم رؤوسهم في معارك وجدليات مع ذوي الأفكار الأخرى، بدون أن يقدّموا شيئاً إيجابياً مستقلاً. وهم بهذا يظهرون وكأنّ وجودهم يعتمد في الحقيقة على وجود المختلفين الآخرين!
وفي حين أنّ الأصوليين ليسوا دائماً مخطئين من حيث الفِكر والأيديولوجية والقواعد الناظمة للأخلاق والثقافة والاقتصاد وغيرها من جوانب الحياة (من حيث أنهم كغيرهم لديهم حقيقة ما)، إلا أنّ أساليبهم التي تظهر رفضاً للآخر من حيث هويته وخلفيته، تمنع هذا الآخر من تقدير الحقّ الذي لديهم أو حتى مجرّد سماعه، وذلك بسبب الشّرخ العميق الحاصل غالباً بسبب الطريقة الأصولية في تقديم “حقيقتهم”.

وفي الواقع فإنّ الوحيدين الذين لم يضطهدوا غيرهم، وإنما كانوا دوماً موضوع اضطهاد، هم الأفراد المفكّرون وجماعات الأفراد الذين اتخذوا من الحياة البسيطة المنفتحة أسلوباً في العيش، لأنهم هم المنفتحون دوماً على مبدأ تحاور الأفكار ولا يرون أيّ خطر على الحقيقة- أو أجزاء الحقيقة- التي يمتلكونها، لأنها يعرفون أنها حقيقة لا يتوقّف إثبات وجودها على الانتصار على جهة أخرى، بل هي قادرة على النّفاذ والوصول وإثبات الوجود، على عكس الأصوليات التي تميل إلى اعتبار هزيمة الآخر هو نصر لها حتى لو لم تحقِّق شيئاً ما من الخير العام الذي سبق وعرّفناه.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.