رسالة إلى جان جاك روسّو


بقلم فادي أبو ديب

العزيز المنوِّر، جان جاك روسّو، المخلِص لله والإنسانية، تحيّة من القرن الواحد والعشرين وبعد:

 أودّ في البداية أن أعترف لك بأنّ حسدي لكَ قد بلغ مبلغاً عظيماً يكاد يقتلني قهراً، وهذا الحسد ليس على عقلك الفذّ، مع أنّي شديد الإعجاب به كما أخبرتك في برقيتي السابقة، ولا على نظرتك النبويّة الثاقبة والمرهَفة مع أنّي أقف أمامها بكلّ احترامٍ وتوقير، وإنما هو بسبب أنّك عشت ومتّ في القرن الثامن عشر! ألا ما أعظم رأفة أبينا السماويّ بك، أنتَ الحسّاس الذي تعذّبه كلّ مظاهر التصنّع والتكلّف والرّياء والزَّيْف! نعم، لقد رأف بكَ أيّما رأفة بأن جعلك تبادر إلى استشراف ما هو قادم من عظائم وفواحش المدنية والمجتمعات المنظّمة وتحذّر العالم منها، من دون أن تشهد تجلّي مفاسدها وذروة فجورها، وفي هذا فائدة كبيرة لنا، ورحمة عظيمة لك.

 لقد شكوت في بعض ما كتبتَ من ازدحام المدن الكبرى والبحار والمحيطات والشوارع، وازدهار الصناعات والزخارف والآداب والقواعد والتنظيمات، والتي كلّها مجتمعةً بدأت تستبدّ بالإنسان وبراءته الأولى، وإذ هي تزعم أنّها تصنع مستقبلاً أفضل للإنسان، قتلت الملايين من الناس روحاً وفِكراً وقلباً ثم جسداً، لخدمة التنظيمات نفسها وحفنة قليلة من طغاة البشر؛ وفي الواقع لا أدري ما الذي كنتَ سستقوله لو عِشت في عصرنا هذا؟!

لقد وصفتَ القسر الذي كان في مجتمعك في الزواج والعمل، وكيف يقضي المجتمع على حياة الأفراد الأحرار حين يدخلهم عنوةً في تنظيماته التي لا تلائم ما حباهم الله إيّاه، فيعيشون تعساء مساكين كلّ أيّام حياتهم، وكيف يخرّب هذا المجتمع حياة الرجل والمرأة بشكليّاته وزيجاته المنمّقة الشكل، فارغة المضمون والمعنى، وكيف يقضي على استقامة بعض هؤلاء بأن يجبرهم على السلوك في معاييره الخاطئة المرسومة لتعزيز كبرياء المجتمع وريائه ومظاهره الخادعة.

 دعني أخبرك إذاً عن ازدحام اليوم إن كنتَ تظنّ أنّ بضع عربات وحفنة من الأحصنة وثلّة من الصناعيين وآلاتهم تخرّب الأحاسيس البشرية، وتنحو بالإنسان منحى التعقيد والتصارع مع أخيه الإنسان. نحن اليوم، يا أيّها الإنسان المخلص، لا نعرف إلّا الازدحام. نحن ننزعج من هدوء الطبيعة ولا نحتمله لأكثر من سويعاتٍ تقلّ أو تزيد. أمّا من نجا من عشق الحضارة والازدحام والطّموح، فهو في نظر الجموع مخبول لا نقاش حوله، أو في أحسن الأحوال غريب أطوارٍ يمكن أن يُعجَب به ولا يُتَّخذ قدوةً أو مثالاً يُحتَذى. وهذا، يا سيّد، هو ديدن كبار القوم وصغارهم، مؤمنيهم وملحديهم. والحق أقو لكَ، بأنّ معابد هذه الأيام لا تختلف كثيراً عن “كنيسة جنيف” التي عملت بكلّ قوّة على دعم الرأسمالية البسيطة والعلم والقوانين الصارمة التي ظنّت بأنّ مجد الله في العالم يُبنى من خلالها، لا بل هي أشدّ عشقاً للقوانين والتنظيمات والمظاهر، وأشدّ حبّاً للإنسان الطموح المنافس المقاتل على مباهج المدنيّة وتفاصيلها، وأشّد بغضاً وظلماً ونبذاً للإنسان المتمرّد على البديهيات والجوامد الاجتماعية والعلمية والمؤسساتية. وحتى من بات اليوم يدعو لدين الفطرة الذي دعوتَ إليه، بات ينشر هذا الدين عبر المؤسسات والقواعد والهيئات، فأصبح هناك مؤسسات للضمير وحقوق الإنسان، فيها من القواعد ما ينهي أيّ فطرةٍ عند من ربما كان يمتلكها!

 اليوم لم يعد هناك من مكانٍ للأرياف، وإذا كان الفلّاح في أيامكَ يهجر الحقول إلى المدن “ليلتمس فيها الخبز الذي كان يجب أن يحمله إليها”، فاليوم باتت الأرياف شبه مهجورةٍ، وبلغة الأرقام الحديثة- التي باتت هوس العالم ومقياس النجاح والفشل لديه في أيامنا هذه (لدرجةٍ تمكِّنهم أن يحسبوا كم عدد الذبابات التي تحطّ على ظهر دابّةٍ في اليوم الواحد)- فإنّ ثلاثة أرباع فقراء العالم هم سكّان الأرياف، سكّان الطبيعة التي منّ بها الآب السماوي على البشر ليزرعوها ويتمتّعوا بغناها وجمالها وعطورها وكرمها العظيم، والتي من خلالها يمكن للإنسان أن يتعلّم كيف أنّه يأخذ بجهدٍ صغير نسبيّاً أضعافاً مضاعفة فيتعلّم فيها عن نعمة الآب في خليقته.

 لقد بتنا اليوم كلّنا عبيداً للحضارة ما بعد الصناعية والقائمين عليها؛ فهم يقرّرون ما نفكّر فيه، وما هو المهم وما هو الأهم، وما هو التافه وما هو الضار. هم يقرِّرون ما يجب أن نعلم وما يجب أن نجهل وما ينبغي أن ننبذ، ما يتحتّم علينا أن نباركه ونمدحه، وما يتحتّم علينا أن نشتمه ونسبّه. هم يقرّرون ما الأفضل للبشرية، وما هو خيرها وما هو شرّها. نقرأ الكتب التي يريدون ونمتهن المِهَن التي تكفل استمرار وجود المنشآت التي تعود لهم، ونتخصّص في العلوم التي تزيد من بحار أموالهم.

 في أيّامك كان هناك إقطاع ونبلاء وملوك وعبيد، وفي أيّامنا أصبح الكلّ ملوكاً والكلّ عبيداً، أصبح الإنسان منفصماً بين دور السيّد ودور العبد، بين دور الجلّاد ودور الضحيّة.

لن أشرح لك عن العلاقات بين الجنسيْن، لأنّي وحسب معرفتي بمبادئك فإنّي أرجّح بأنّك لن تستوعب ما هو حاصلٌ حالياً مهما شرحتُ لكَ؛ فقد وصفت الباريسيات في بعض ما كتبتَ بأنهنّ فاسدات بسبب مدنيتهنّ وقيمهنّ المصطنعة والمنافقة والفاسدة، ونصحت بالبحث في الأرياف العذراء. وفي الواقع فأنا لا أعرف كيف سأشرح لكَ بأنّ “الباريسية” هي النموذج الموجود شبه الوحيد حالياً، على أنّه أكثر فساداً بأضعاف مما كنتَ ترى وتسمع، وهذا ليس في باريس فحسب، بل امتدّ بعضه حتى إلى بحر الكاريبي الذي تغنّيت ببراءة سكّانه، فباتوا مضرب الأمثال في “الباريسية”. وما ينطبق على النساء ينطبق بالمثل على الرّجال، ومُكاتبكَ المتواضع من ثلّة هؤلاء المفسَدي العقول والقلوب! لن أتحدّث كثيراً بشأن مبادئكَ عن الحشمة والرجولة وما يتّصل بهما، فنحن تقريباً  لم نعد نستخدم هذه المصطلحات بطريقتكَ !

 حتّى الرّيف بات يتشبّه بالمدينة في كلّ انحاء ما يُسمّى بالعالم المتحضّر اليوم، والرّيف الذي نال حظّاً من الغِنى- وهو نادر الوجود- قد امتلأت أرضه بالسّموم التي تنال من أجساد البشر.

لا أدري، يا سيّدي، عن أيّ سمومٍ كتبتَ عنها. هل كان في أيّامكَ سمومٌ حقّاً تستخدم في الزراعة؟! نحن اليوم لا نعلم عن وجود زراعاتٍ من دون سموم! أجسادنا هي مخازن للسموم! وإن حالف أحدنا الحظّ وعثر على بعضٍ من الزراعة الطبيعية، فإنّه سيدفع ثروةً، تُضاف إلى سماجة منتجيها الذين يظنّون أنهم اجترحوا المعجزات فيها، لكي ينال قِسطاً قليلاً منها لا يكفي لسدّ الرِّمق.

 في عصرنا، بات علينا أن نقتنع بأنّنا في طور التقدّم والكمال لأنّ مدننا صارت أوسع وأكثر ألواناً وتقنيةً رغم انّه يرى اضطراد أعداد البؤساء والمرضى جسدياً، وأضعافهم من المرضى نفسياً. وواحدنا لم يعد بحاجة لرؤية أشباهه من بني الإنسان، فكلّ شيءٍ تقريباً يمكن أن يحدث عبر آلات لها شاشاتٍ، تتراكم عليها الخلائق لتتواصل مع بعضها وكأنّها تسكن في كواكب مختلفة.

 ولأنّ هذه الآلات باتت موجودةً، فمنظّمو المجتمع باتوا ينظّمون إقطاعياتهم على أساس وجودها، فزادت ساعات العمل والواجبات اللاحقة، على اعتبار أنّ المرء ليس بحاجةٍ بعد اليوم لكثرة الاتّصال الفيزيائي المباشر بأخيه وأخته وجاره وأبيه وأمّه وزوجته. وما الدّاعي وهم قد زوّدوا المجتمع المدني بما يكفي لتبادل الكلام مكتوباً ومسموعاً؟!!!

أشكر الله بانّك لم تعش في عصرنا هذا لتطلق دعوتك الشهيرة لعودة البشر إلى براءتهم الأولى، فما كانوا اضطهدوك فحسب، بل ربّما كانوا أدخلوكَ لأحد مشافي الأمراض التي باتت تشخِّص كلّ أنواع الأمراض، التي أثق بأنّك لا بدّ مصاباً بإحدها على الأقل بحسب نظريةٍ ما من النظريّات. لا تقلق فلدينا نظريّات لكلّ شيء؛ نظريّات كافية لأن تستنتج بأنّ الله نفسه لديه نوع من الاكتئاب أو الذّهان او ربما الفصام!!

أودّ فقط قبل أن أريحك من شكواي المزعجة بأن أخبرك بأنّ العودة للريف الطبيعي غير ممكنة حالياً، فالغابات كلّها إمّا محميات طبيعية لا يمكن الدخول إليها إلا بشروطٍ خاصّة، أو أنّها حراجيات ملك لأحد القطاعيين أو للدولة  التي كنتَ تظنَ بأنّها يجب أن تكون جمهوريةً تكفل حريّات الأفراد. أما السهول فهي إمّا خاضعة للتنظيم البلديّ ولا يمكن السّكن فيها إلا بعشرات الرّخص التي تستهلك كلّ قرشٍ في جيب المسكين، أو أنّها مناطق عسكرية أو تابعة لهيئة أو جمعية أو مؤسسة ما. شواطئ البحار والأنهار إمّا أنها مستملَكة لأحد كبار القوم ولا يمكن الدخول إليها لأنها حرفياً “ملكٌ له ولأبيه ولأولاده من بعده”، أو أنّها مناطق طبيعية لا يجوز السّكن فيها بدون تراخيص تضمن وجود مناطق مؤمّنة للصرف الصحي! أما رؤوس الجبال فمعظمها لخدمة مراكز الاتصالات وهيئات الاستخبارات والقوات المسلّحة، أما سفوحها فحالها حال ما سبقها من غابات وسهول وشواطئ.

 كنتُ أريد أن أنصرف سريعاً ولكني لم أستطع أن أقاوم رغبتي بإخبارك عن الجزر والمناطق القبلية التي تغنّيت ببراءة سكّانها، فقد اجتاحها أصحاب الأديان، ولو كان هؤلاء الغزاة قد علّموا أولئك معرفة الله فقط لكنتُ من شاكريهم، واحسبُ أنّك كذلك بحسب معرفتي بكَ، ولكنهم حملوا معهم كلّ مفاسد الحضارة والأفكار التي جرّدت هؤلاء من كلّ براءتهم وفطرتهم ونواياهم البسيطة، وربما قبيلة “الهوتونتو” تكون اليوم هي من مصدّري صنّاع المدنية! من يدري؟!

 لو كانوا عرفوا الرسالة الإلهية بحقّ، يا سيدي، لما كانوا انجرفوا وراء كلّ هذه المفاسد فجعلوها قواعداً لا يمكن النقاش فيها، ولكن من أين لكَ أن تعرف هذا وأنتَ كنتَ تعيش بين مطرقة “روما” وسندان “جنيف”؟.

 أظنّ انك لو عشتَ في يومنا هذا لكان انتهى بك الأمر إمّا معتزِلاً متنسِّكاً كلاوتسو، معلّم الصين الكبير، أو مصلوباً كيسوع المسيح الذي أضاعه أترابك الأوروبيون بين أكوام المجلَّدات والتنظيمات والقوانين!!

موضوع ذو صلة:

برقية إلى جان جاك روسّو

الإعلانات

2 thoughts on “رسالة إلى جان جاك روسّو

    1. شكراً جزيلاً يا صديقي. الحقيقة جان جاك روسو من أكتر المفكرين التنويريين روعةً، وبسبب آرائه في الدين والسياسةعاش مشرّد سنوات كتيرة من عمره.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.