هل نحن مخدوعون بمجيء الربّ؟


بقلم فادي أبو ديب

عبر حوالي  2000 عام من التاريخ اللاحق لقيامة يسوع المسيح وصعوده إلى السماء، استمرّت فكرة مجيئه القريب بإشعال مخيّلة الملايين من تلاميذه المنتظرين.  ولطالما شهدت القرون المتتابعة العديد من الحركات الروحية  التي ادّعت أنّها “الفرقة الناجية”، وأنّ مجيء الرب سيكون على أيّامها، أو أنّ منطقة نفوذها هي من ستكون أورشليم الجديدة بطريقة أو بأخرى، وأنّ نوعاً من الحكم المسياني سيكون متمركزاً فيها، كما حدث مثلاُ مع بعض حركات الأنابابتيست في ألمانيا في القرن السادس عشر، وبعض الهَسّيين (أتباع  المصلح جون هَسّ) في بوهيميا (تشيكيا حالياً)، في القرن الخامس عشر.  وبالفعل فإنّ قراءة تاريخ بعض الجماعات المسيحية المختلفة عبر القرون قد يصيب البعض بالإحباط نتيجة تكرار تاريخ الفشل في التوقّع لهذا المجيء  الثاني العتيد للمسيح يسوع.

إلّا أنّ نظرة متأنّية ومتفحّصة لهذه الأحداث، مع دراسة متعمّقة وجادّة للكتاب المقدَّس، ينفيان أيّ إحباط من هذه الجهة بالذات؛ فالأخطاء التي ارتكبها أولئك وغيرهم في هذا الشأن لم تكن مجرّد أخطاءٍ في التوقيت، بل أخطاءٍ كبرى في كل المنظومة التفسيرية للنصوص، وفي كلّ نظرتهم لمجرى التاريخ.

في البداية يجب معرفة أنّ معظم أفراد هذه الحركات لم يكونوا يمتلكون الكتاب المقدّس أصلاً لكي يفسّروه أو يمحّصوا النّظر فيه، فالمخطوطات والكتب كانت فقط ملكاً للمؤسسة الدينية المركزية ورجال الدين المهمّين أو أغنياء القوم، وبالتالي فلم يوجد أيّة إمكانية للإنسان الفلّاح العادي المؤمن بالمسيح لكي يقرأ الكُتُب، فكيف إذاً بتفسيرها! هذا مع العلم أنّ معظم هؤلاء كانوا من الأمّيين أصلاً.  وبالتالي فلم يكن يمكن لهم تدقيق الأفكار التي يخرج بها بعض القادة ولا مناقشتها.

أحد العوامل الأخرى شديدة الأهمّية التي سبّبت ارتكاب أخطاء فادحة في التعامل مع المكتوب، هي الرّوحنة الخيالية للنصوص، أي تضمينها معانٍ لا يمكن أن توجد أصلاً، مثل اعتبار أنّ أورشليم الجديدة التي ستنزل من السماء هي مدينة في هذا البلد أو ذاك (في ألمانيا مثلاُ)، أو أنّ معركة هرمجدون تشير إلى حدث رمزيّ يشكّل هؤلاء المفسّرون جزءاً منه، أو معركة بين الخير والشرّ في بلدٍ ما، أو أنّ ضدّ المسيح هو هذا القائد أو البابا أو رجل الدين هذا أو ذاك، بالإضافة لمحاولة إيجاد معانٍ أخرى للأرض المقدّسة وأورشليم وإسرائيل، من دون مراعاة دقّة النصوص وارتباطها الزمني بأحداث معيّنة، فقد كانت العاطفيّة الدينية الانفعالية هي من يقود  خيال الجماهير وقادتهم، وليس الدِّراسة الجادّة والمتأنّية للنصوص، حتى لو بالحدّ الأدنى.

ولكن دراسة الكتاب المقدَّس بدقّة وتركيز وموضوعية تبيّن أنّ هناك أحداثاً معيّنة تسبق هذا المجيء، يتعلّق كثيرٌ منها بفلسطين وأرض إسرائيل وأورشليم، وبتوسّع البشارة  برسالة المسيح يسوع إلى كلّ أنحاء العالم، وبقيام كيانٍ سياسي هائل على شاكلة الإمبراطورية الرومانية القديمة، أو على أنقاضها ربما، مع وجود ذراع دينيّ هائل النفوذ إلى جانبه، من دون الدخول الآن بالتفاصيل  الخِلافية الصغيرة، أو التطرّق للأحداث الفلكية والطبيعية المذكورة في سِفر رؤيا يوحنا بأكثر تفصيل. هذا بالإضافة لحدوث عدّة حروب معروفة ٌ أهمّ أطرافها المشاركة ، على جبال إسرائيل وحول مدينة أورشليم بالذات، وظهور رِجسة الخراب التي تحدّث عنها يسوع في المكان المقدَّس في أورشليم.

ورغم أنّ التاريخ شهد أحداثاً مشابهة لبعض ما سبق ذكره، من حيث ظهور ممالك سياسية وأجسامٍ دينية مؤثِّرة، إلا أنّ التدقيق فيها يكشف فروقاً ضخمة بين المكتوب وبينها، فلم نشهد حروباً بين مملكتي شمالٍ وجنوب، بعد التحقيق الجزئي لها في أيام السلوقيين والبطالمة، كما هو مذكور في دانيال 11، فما هو مدوَّن من أحداث تفصيلية مستقبلية يتجاوز ما حصل تاريخياً بأشواط، كما لم نشهد معارك على أرض إسرائيل بتقوم بها أطرافٍ عالمية  تجاه تجمّعٍ سكانيٍّ إسرائيلي  (نسبة للأسباط الإسرائيلية) إلا في أحداث عام 70م التي لم تشهد ظهور رِجسة خراب، ولم تشهد هزيمة مروّعة لهذه الأطراف العالمية، بالإضافة إلى أنّ كل الأحداث  الطبيعية المذكورة في رؤيا يوحنا لم تحصل بعد.  كما لم يشهد التاريخ الروحي ما يمكن أن يُعتَبَر ظهوراً للشاهديْن المذكوريْن في رؤيا 11، وكرازتهما لثلاث سنوات ونصف ومقتلهما في أورشليم.  وبولس الرسول يحذّر في رسالته الثانية لكنيسة تسالونيكي، من أنّ المجيء يجب أن يسبقه ارتداد عالميّ وظهور ضدّ المسيح الذي يؤلِّه نفسه ويفتعل المعجزات.  ولا يبدو أنّ هذه المعجزات هي وصف رمزيّ لأحداث معاصرة لنا اليوم، بل هي معجزات تشابه معجزات المسيح من حيث الطبيعة لا الهدف.  كما لم نشهد بعد دخول “ملء الأمم” وعودة إسرائيل للمسيح وترك العبادة اليهودية (رومية 11: 25-26)، حيث يبدو أنّ الرمزية التي كانت تضع أسماءً مكان أسماءٍ أخرى، قد أدّت للفشل في فهم “السِرّ” الذي تحدّث عنه بولس الرسول:

“فإنّي لستُ أريد أيّها الأخوة أن تجهلوا هذا السِّرّ، لئلّا تكونوا عند أنفسكم حكماء: أنّ القساوة قد حصلت جزئياً إسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم، وهكذا سيخلص جميع إسرائيل، كما هو مكتوب: سيخرج من صهيون المنقذ ويردّ الفجور عن يعقوب.”

ليست الحيرة في هذا الشأن وليدة اليوم، بل قد بدأت بعد عقدين أو ثلاثة عقود، على الأكثر، من صلب وقيامة المسيح، وبطرس الرّسول يتحدّث في رسالته الثانية عن جوٍّ تساؤلي يطابق ما حدث ويحدث عبر القرون، من جهة  طول المدّة بين الصّعود والمجيء الثاني، مع تنبيهه إلى أنّ هؤلاء المتسائلين عن هذا التأخير بطريقة استهزائية، إنّما هم يوجّهون أسئلتهم من أجل تبرير طرقهم البائسة في الحياة اليومية.  ووصيّة بطرس الرّسول في هذا الشأن تبقى صالحة اليوم:

“لكن لا يخفَ عليكم هذا الشيء الواحد أيّها الأحبّاء: أنّ يوماً واحداً عند الرب كاأف سنة وألف سنة كيومٍ واحد.  لا يتباطأ الربّ عن وعده كما يحسب قومٌ التباطؤ، لكنّه يتأنّى علينا، وهو لا يشاء أن يهلك أناسٌ، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة.”

مع وجوب تذكّرنا الدّراسة المتأنّية لما هو مكتوب، والتمكّن من  فهم السيرورة التاريخية التي يقدّمها الكتاب المقدَّس، من دون إضافة معانٍ ورموزٍ على هوانا، كما فعل الكثير من القدماء الذين لم تتوفّر بين أيدي غالبيتهم النصوص كما لدينا نحن اليوم، بل كانوا فريسةً للمخيّلة الشّعبية والعاطفية التي كانت تنتقل من واحدٍ لآخر، ومن مجموعةٍ بشريةٍ لأخرى، عبر السنين.  وذلك من دون نسيان حقيقة هامّة، أنّ نصوص  النبوءات في الكتاب المقدَّس لم تكن تعطي لطول المدّة قِصَرها أهمية تُذكَر في كثيرٍ من الأحيان، حيث يمكن أن تتحدّث في عبارتيْن متتاليتيْن عن أحداثٍ يفصل بينها مئات أو آلاف السنين.

مواضيع مرتبطة:

إلى متى تجاهل النبوءات يا كنيسة العرب؟

زكريّا: نبوءة لامنطقية يثبت التاريخ دقّتها

الثورات العربية: إعداد المسرح لحروب الأيّام الأخيرة

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.