رسالة ثانية إلى رومنطيقي


بقلم فادي أبو ديب

تأبى الموت قبل أن تتركَ تراثاً لهذه الإنسانية البائسة؟ ما الذي تقوله يا عزيزي؟ من أيٍّ عصرٍ بهيٍّ أتيتَ لتولد في زمننا الأسود؟
 كأنّك قادمٌ من تلك الأيّام التي كانت فيها الأرض مسكَناً لسكّان المروج والوِهاد وظِلال الأشجار المعمِّرة، حيث كانت الغابات تغفو على أغاني الجدّات وقهقهات العُشاق المسروقة، وعندما كان الأطفال ما زالوا أطفالاً يحبّون الألعاب البريئة، وكان بين كلّ جَمعٍ حكيمٌ مُرشِد، وحين كانت عادة النِّساء أن ينتظرنَ رجالهنّ المسافرين والمحاربين سنيناً وسنين، وكان الفرسان يُقتَلون من أجل من يحبّون.
تتصرّف كأنّ هذا العالم يقيم وزناً للإلياذة والأوديسّا، وتصرّ على أن تقرأ كلّ يوم كتبَكَ المقدَّسة على ترجوم الفولجاتا. وما زال كيانك بكلّ جوارحه يؤمن بأنّ الصرخة المَنسيّة في داخلك هي فقط ما يجب أن يُعاش.  أنت مازلت تعتقد أنّ الإنسان الحقّ هو من يزداد تتوّقه للكمال في كلّ يوم، وأنّه من تتراكم معرفته الاختبارية للآب والإنسان وللمصير التاريخي في كلّ ساعة.

أخبرني أيّ مصيبة ولدتكَ في هذه الحقبة المائتة؟ ما زلت تفكّر في التراكم التغنُّصي، التطوّر الداخلي، الاكتمال الرّوحي، أهمّية الجوهر، وكل هذه الأمور غير المفهومة في عصرٍ آلي، ينسى فيه الإنسان ليلاً كلّ ما فعله نهاراً، وينسى فيه كلّ يومٍ ما قرّره في اليوم السابق.
يعتمرُني الحَزَن حين أرى أنّك ما زلتَ تؤمن بأنّه كلّما ازدادت نصاعة جوهركَ ازداد تقدير البشر لكَ.  يا أيّها المسكين البائس!  كائنات هذا العصر قلّما تحارب الإحساس بالجوهر لأنّها لم تعد تؤمن بخطر وجوده أصلاً، فالحرب قديماً كانت بين من يؤمنون ومن لا يؤمنون.  أمّا اليوم فكل ما عليكَ أن تكونه هو أن تكون أقلّ أذيّةً وأكثر نفعاً في المظهَر.

أترى كم هو سهلُ زماننا! امحِ فقط هذه الأصوات المزعجة في داخلكَ فتعيش ملكاً حاكماً على موتى، أو عبداً وضيعاً بين جمعٍ من المستعبَدين الموهومين بالسّعادة.
ولكني أعرف ما أنتَ عليه، وأعرف أيّ شعاعٍ من النور قد تملكّك لَكأنّه شعاعٌ من رحيق أزهارٍ خفيّة لا يعرف منبتَها إلّا أنت، وكأنّها لم تُزرَع إلا لتُسقَى من أحلامك ولتعطِّر عالمك الغنيّ بآلاف القصائد غير المنطوقة والمُدُن الوادعة التي لم تُزَر بعد، التي يسكن السّلام في بيوتها، وساكنوها يعرفون بعضَهم بمجرّد النّظر في عيون بعضِهم.

مُت يا صديقي!
أقول لك هذا لأني أحبّكَ. أحبّك ولا أريد لكَ أن تفقد إيمانك بما تعرف، ولا أنا تعرف غير ما تؤمن به. لا تتكبّر على الرّحيل، فهو عِزٌّ لأمثالك يا أيّها الإنسان الحقّ، لأنّك تُهان في النَّظرات قبل الكلمات، وفي البَسمات الصّفراء المجاملة قبل بَسمات السّخرية الوضيعة.
مُت في الفِكر عمّا تراه  وتسمعه؛ انتظر اللَّحظة المناسبة واهجُر فِكر الحضارة الجمعيّة ولا تتوقّف لمناقشته ومجادلته، وإن أمكنكَ اهجُرها  هي نفسها بالجسد.  إنها فاسدة حتى نقيّ عِظامها، ومزيَّفة في جوهرها وفي قشورها.  لا يخرج منها شيءٌ صالحٌ في جوهره، بل أنتَ أمام خياريْن: نِتاج فاسد الجوهر، مصقول ومهذَّب المَظهَر، أو نِتاجٌ فاسد الجوهر والمَظهَر.

اهجرها وانتظر مملكتكَ يا إنساناً تملكّته أسطورة الحقيقة، فهي لا ريب قادمة لتقيمَكَ من بين الأموات.

موضوع متعلّق:

كلماتٌ أخيرة إلى رومنطيقي

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.