في سبيل الجمال


بقلم فادي أبو ديب

silence

لم يعد خياراً أمام الإنسان الحقّ- إن كان هذا مجرّد خيارٍ يوماً ما- إلّا أن ينبري ويكرّس نفسه للدفاع عن الجمال في هذا العالم المجبول بالجنون والبشاعة.

 الجمال يشمل كلّ فضيلةٍ وكلّ إيمان حقيقي بأنّ الإنسان مخلوقٌ لكي يتمتّع بالخلود؛ كلّ اقتراب سليم إلى الألوهة والإنسان، وكلّ محاربة للغوغائية والسطحيّة والتخريب الممنهج للأرواح أولاً والأجساد
ثانيةً.  البشاعة ليست مجرّد عدم تناغمٍ بين أجزاء ومكوّنات شكلٍ ما، بل هي عدم اتّزانٍ في المفاهيم المتعلّقة بالخالق والإنسانية والطبيعة، والتناغم بين هذه الكيانات الثلاثة؛ فمجتمعٌ لا يعرف الجمال لا يمكن له أن يمتلك صورةً سليمة لماهية الألوهة، ولا يمكن أن يعرف قيمة الإنسان وسبب وجوده، ولا يمكن له أن يعيش في سلامٍ مع محيطه الطبيعيّ.

 إنّ مجتمعاً مكرَّساً للقباحة هو مجتمعٌ مفتونٌ بتقديس الأفكار التي لا ترتفع بالصورة الإلهية في الإنسان، وهو قاتلٌ للضمير الطفوليّ في كلّ فرد، ذلك الضمير غيرالمتشبِّع بالأنانيّة واحتقار الآخر، بل الذي ما زال مسرحاً للمعركة الكبرى بين الخير والشرّ.
إنّ المجتمع القبيح هو مجتمعٌ خائف؛ مسكونٌ بالآلهة الكريهة وبالسّكون الذي يشير إلى الموت المزمن.  البشاعة هي أن تزداد المعابد الدينية التي تدافع عن فكرة لمجرّد أنّها فكرة غابرة في القِدَم، أو لمجرّد أنّ الأسلاف اعتقدوا بها، وليس لأنها تنفع الإنسان.
المجتمع القبيح هو الذي يفصل بين مجد الله وخير الإنسان، ولا يسأل نفسه إنّ كان الإله الحقّ يمكن أن يتمجّد من خلال تقزيم الإنسانية وتمزيقها وقتل كلّ جمالٍ فيها. المجتمع القبيح هو المجتمع الذي يظنّ أنّ الله يهمّه حقاً الكلمات المعبّرة عمّا تعتقد ولا تهمّه نواتج اعتقاداتك.

أن ندافع عن الجمال يعني أن نتساءل عن كلّ شرعيّة كلّ منظومة تعتبر أنّ من حقّها أن تمتلك الإنسان كمقدَّرات وطاقات؛ كفِكر وجسد وحريّة في التعبير عن مكنونات ذاته؛ كمشاعر وجهد ووقت.  الجمال هو انكشاف معرفيّ، معرفة أنّ الإنسان ليس كائناً عشوائيّاً، وأنّه مدعوّ لكي يحقّق ذاته كفرد وكجزء عضوي من جماعة الجمال يعني أنّني مدعوّ لتفعيل عناصر الصورة الإلهية التي في الإنسان، التي تتجلّى أحياناً في السّكون المتواضع المفكِّر كما تتجلّى في المحبّة التي تعمل في تواضع.  الجمال تواضعٌ مجبولٌ بالتواضع، وانسكابٌ للذات في ذات الله، وانسكابٌ لذات الله في الذات الإنسانية.

الجمال دعوتنا، ومعاناتنا، وحلمنا في مواجهة البشاعة والتطرّف والكراهية.  الجمال نصفه صمت كما أنّ نصفه الآخر كلمة، نصفه سكون متحرّك القلب كما أنّ نصفه الآخر حركة ساكنة الرّوح.  الجمال حياة، الجمال خلاص وحياة في اللحظة.  الجمال هو الحياة في الدهشة بعد كسر التشتُّت الدائم في كلّ لحظة…هو متعة البحث من دون خوف، ونشوة الإيمان بأنّ كلّ الأشياء تجتمع في النهاية لتحتفل بالحقّ لجميل، بهذه القيمة السرمدية التي تنبثق من داخل كلّ محاولةٍ لتكريس البشاعة.
الجمال كشفٌ لا يتأتّى بمجرّد التفكير، وهو معرفةٌ لا تتأتى من دون تفكير…هو الثقة بأنّ التناغم مع الفضيلة دخولٌ إلى أبديّةٍ من الجمال ستطلّ برأسها دائماً في زمان حياتنا مهما حدث.

الجمال هو الوجود…وأيّ وجود… هو الكلّ…

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.