دمشق: الدينونة ورهبة الميعاد


بقلم فادي أبو ديب

DSC00234

قد يكون من العبث الكتابة اليوم عن دمشق من منطلقٍ آخر غير  المنطلق التفاؤلي الذي يحثّ الشعب على التمسّك والمواجهة، وقد يجد البعض أنّه من المؤلم الإشارة إلى ما يدعو للتشاؤم في وقتٍ نحتاج جميعاً إلى نفحة رجاء، ولكن في نفس الوقت فإنّه ليس نحن من يحكم مجرى التاريخ ويتحكّم به.  كثيرون شاؤوا في الماضي أن تكون أمنياتهم في موضع التنفيذ، ولكن “ما كلّ ما يتمنّاه المرء يدركه- تجري الرياح كما لا تشتهي السُّفّن”  كما يقول المتنبّي، الذي كان هو الآخر ضحيّة موتٍ “تافه” لم يكن يشتهيه أو يتخيّله.

برغم كلّ شيءّ، وبرغم كل المؤامرات الواضحة من الداخل والخارج على سوريا، إلّا أنّه لا مفرّ من الاعتراف بأننا، كسوريّين، فشلنا في الحوار والغفران.  سينبري من دون شكّ كلّ طرف (وأنا واحد من هؤلاء) لكي يبرِّر نفسه ويُظهِر بأنّ الآخر ليس أهلاً للحوار والمسامحة، ولكننا جميعاً سنكتشف بعد انجلاء غبار هذه الحرب المدمِّرة بأنّ الأمر كلّه لم يكن يستأهل كل هذه الدِّماء بيننا.  سُلطة، حكم، دين، إيمان، كُفر، خيانة، عمالة، وطنية، تخلّف، جهل…كلّها صفات أو مكاسب نرمي بها بعضنا البعض أو نسعى إليها، ولكن في النهاية سنكتشف أنّه كان بإمكاننا ألّا نسير في هذا الدّرب القذر.  كلّ مؤامرات الدنيا لم تكن لتتمكّن من إثارة هذه الحرب لو كنّا مصرّين على عدم التقاتل، ولو كنّا مصرّين على التحاور والغفران والإنصات والتفكير بالمستقبل المشترك.

لست في مكانٍ يؤهّلني أن أقول إن كان الأوان قد فات أم لا، ولعلّي حاولت وما أزال أحاول الابتعاد عن موضوع النبوءات، تاركاً إيّاها لمن يستعجل النهاية، معتكفاً بين كتب الفلسفة المتفائلة التي تحاول فهم الإنسان والوجود بما يساعد على إيجاد حياةٍ أفضل للإنسان هنا والآن.  ولكن كلّ ما يدور في العالم يؤشِّر إلى أنّه وإن كنا نستطيع أن نرى في كلّ قصيدةٍ شعرية أو نصّ ديني رموزاً جميلة لكل ما هو عميق وجميل ومفاجئ في طبيعة الوجود الإنساني والميتافيزيقي، إلّا أن النصوص النبوية تبقى ماثلةً أمامنا ببرود، بوجهها الجامد الذي يحرمنا من بهاء الرّمز كاشفاً لنا بقسوة دينونة الحرف، الذي يبدو أنه يحتال على الزمن وعلى القارئ ليحاول دائماً أن يثبت بأنّه لا يريد أن يتزحزح قبل أن يرى تحقيقه على أرض الواقع.

هدير الطائرات والصواريخ يقترب شيئاً فشيئاً من دمشق، ورغم السفالة الدولية الواضحة فإنّ السوريّين هم أوّل المسؤولين عن ما هو قادم من المصائب.  نحن من قتلنا بعضنا!  هكذا ببساطة.  هذه هي الحقيقة التي لا تعجبنا.  الإنسان يرغب دائماً في إلقاء اللوم على غيره، لأنّه لا يستطيع أن يحتمل فكرة أنّه يتحمّل مسؤولية معيّنة.  هكذا نحن!

“هوذا دمشق تُزال من بين المدن وتكون رجمة ردم”، كلّما بدا وكأنّ النبوءة صارت شيئاً من الماضي، تعود الأحداث لتجعل هذه النبوءة تطلّ بوجهها الجامد البارد.  وكلّما أرغب في الهرب نحو المزيد من الجمالية تشدّني حبال الواقع التي تجعلني أرى بأنّه وإن رغبت في أن أرى الجوهر الجمالي في الدين، فإنّي لن أستطيع الهروب من مسيرة التاريخ القبيحة.  ليس النصّ الديني من يقول هذا، بل الواقع.

لا أحد بإمكانه التكهّن بما سيحدث، فحتى لو ردّت سوريا على العدوان المتوقَّع القادم بقوة، فإنّ كلفة الدّمار ستتناسب طرداً مع قوّة الردّ ومدى إيلامه.   قد نكون (أقول قد) في نقطة تاريخية مفصلية، أو أنّ العدوان سيعبر عبور الكرام، وليتنا نتعلّم منه، وإلّا سيكون القادم أعظم، وسيكون الدّمار حتمياً.  هكذا يقول التاريخ….وهكذا يقول المنطق!

ومع ذلك فإنّ التاريخ يدلّنا على أنّ الإنسان قادرٌ دوماً على البداية من جديد.  قد “تستشهد” دمشق لكي تحيا سوريا، إن أردنا نحن أن نحييها.  قد “تستشهد” دمشق لكي نفهم مرّة وللأبد أنّ لا شيئ يستحقّ أن نقتل بعضنا البعض من أجله.  قد تذهب دمشق لتلاقي حتفها لكي نفهم عند انجلاء غبارها أنّنا معاً في قاربٍ واحد، وأنّه ليس هنالك من بديلٍ عن العيش معاً والبناء معاً، وأنّ لا طريق إلّا الغفران، وما أصعبه!  كيف سأغفر؟

كيف سأغفر لمن أشعر بأنّه قتل كلّ الصور في مخيّلتي؟

كيف سأغفر لمن قطع الرّوابط بيني وبين كلّ جميلٍ في طفولتي وصباي؟

كيف سأغفر للجهلة والقتلة والحاقدين وعابدي الجنس السماوي؟

المشكلة أنّه ليس لديّ الخيار، فإمّا أن أبقى  فريسةً للحقد وإمّا أن أعمل لكي أتصوّر العالم بشكلٍ أجمل.  هذا صراع ساحقٌ للنفس ولكنه حتميّ.

قد يكون خراب دمشق قريباً…هذا ما ستكشفه الأيام فقط.

ولكن علينا ألّا ننسى بأنّ هذا الخراب هو رمز لخراب كل إنسان فينا يرفض الاعتراف بواقعه…يرفض الاعتراف بأنّه فريسة لهذا الموت الروحي الذي يبتعد به في كل لحظة عن الخير الأعظم الذي هو المحبّة.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.