مقدّمة في مفهوم الأخلاق


بقلم فادي أبو ديب

 morality

            إنّ البحث في أنطولوجيا الأخلاق هو مبحثٌ بالغ الأهميّة للإنسان والمجتمع، وبشكل خاص للمسيحية؛ فمن خلال هذا البحث يتم السؤال عن معنى الحياة البشرية وسلوكيات البشر وأغراضها وما تحمله من قيمة.  ومن الطبيعي أنّ موقف الإنسان والمجتمع من ماهية الأخلاق يحدِّد أولوياته وطرق سلوكه ومقاصده وأهدافه.  فهل الأخلاق قيمة مطلقة أم نسبية من حيث المبدأ؟  وهل الإنسان له مطلق الحرية في تحديد ماهية الأخلاق أمّ أنّها محدّدة مسبقاً بمعزل عن إرادته (إمّا بفعل الله أو الضمير الفطري فيه)؟

            تظهر صعوبة الإجابة عن هذه الأمور عند الوقوف بحيرة أمام عدد من القضايا المليئة بالحالات الخاصة المتنوعة، حيث يبدو القرار صعباً في تمييز ماهية الأمور الأخلاقية من عدمها على كلّ الأصعدة.  ورغم أنّ التمييز لا يخلو من المشاكل والتعقيدات، إلّا أنّه ربما يمكن القول بأنّ جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في تحديد جوهر الأخلاق، فهل الأخلاق تكمن في طريقة التصرّف أو في اختيار الطعام والشراب واللباس أم أنّ الأخلاق هي توجّه داخلي؟  هل ينفصل التوجه الداخلي عن المظهر الخارجي من حيث المبدأ؟  ماذا عن المفاصل الصعبة التي لا يمكن الحكم في مدى صحتها بسهولة:  هل يجوز لمحقِّق أن يدسّ دليل الاتهام لمجرم بارع في إخفاء الأدلّة وإخفاء الجرائم؟  هل يجوز ارتكاب فعل القتل لحماية إنسان ضعيف أو مظلوم؟  هل يمكن ارتكاب فعل جنسي غير قانوني بالمفهوم الديني لسبب أن الأهل يرفضون زواج شخصين تبدو للجميع أهليتهما للزواج؟  هل الأوامر والنواهي الدينية في الكتاب المقدّس جامدة مطلقة أم أنها موضوعة لخدمة سعادة الإنسان؟  وهل تنفصل سعادة الإنسان الحقيقية عن تحقيق مجد الله؟

أولاً، الأخلاق والمثال الأعلى

كثيرٌ من الإختلافات الناشئة في مسألة تقرير أخلاقية عمل ما من عدمه تعود إلى عدم الفهم العميق لمعنى الأخلاقية وتعلّقه بمفهوم الفضيلة والمثال الأعلى، فبدون النظر إلى موضوع المثال الأعلى الذي هو الخير العام كيف يمكن أصلاً الحكم بوجود الأخلاقية في حد ذاتها، وكيف يمكن تصنيف عملٍ ما بأنّه أخلاقي أم لا؟  إنّ هذا بلا شكّ غير ممكن.  من وجهة نظرعقلية، كيف يمكن الحكم على فعل القبض على مجرم؟  لماذا يعتبره معظم الناس عملاً أخلاقياً؟  بالتأكيد فإنّهم يقرّون بشكلٍ واعٍ أو غير واعٍ بوجود مقياسٍ أخلاقيٍّ ما تُقاس به الأمور.  ويمكن الذهاب إلى أبعد من هذا حينما يتطرّق السؤال إلى الحُكْم على عملٍ من أعمال يسوع المسيح، فمن وجهة نظر مسيحية لاهوتية فإنّ يسوع لم يرتكب خطيّة أو خطأ ما، والعهد الجديد بنفسه يشهد على هذا (يو 8: 46؛ 1بط 2: 22).  ولكن كيف يمكن الحكم على أيّ عمل، بما فيها أعمال المسيح، أنّها كانت صحيحة؟  كيف يمكن منع الاختلاف، لا بل والإقرار بثقة، أنّ كل أعمال المسيح كانت صحيحة.  ويعود السؤال مرّة أخرى عن المقياس.  إنّ دخول يسوع إلى ساحة الهيكل وتطهيرها من التجّار والصيارفة والإضرار ببعض الممتلكات يمكن النظر إليه، من وجهة نظر أوّليّة سطحية غير لاهوتية، على أنّه خطأ، أو على أنّه محاولة إصلاح خطأ بخطأ آخر بسبب أنّه أضرّ بأملاك أناسٍ يحتاجون إليها لكسب معيشتهم، ومن ناحية أخرى يمكن النظر إلى هذا العمل على أنّه صحيح تماماً لأنّه يهدف إلى الصالح العام وإلى التنبيه إلى خير أعظم لا يجب التغافل عنه.  ولكن في كلّ الأحوال يبقى للناظر المحايد أن يحكم على النشاط الجسدي  الذي قام به يسوع كما يريد إن أراد تجريده من مضامينه، والنظر إليه كما يبدو من الخارج.

            إنّ عدم الرّكون إلى مفهوم تعلّق الأعمال بالفضيلة والمثال الأعلى سيجعل الباب دائماً مفتوحاً على مصراعيْه للصّراع على معنى وشرعيّة أيّ عمل إنساني مهما كان بسيطاً، لأنه يمكن لأي شخص الحكم على أيّ عمل بما يريد، وستكون هذه العشوائية غير المضبوطة في الحكم شرعية تماماً عند عدم وجود مقياس معيّن.  إنّ القول بأنّ عمل ما هو أخلاقي فقط لأنّ الكتاب المقدّس يقول هذا هو من الخطورة بمكان، لأنّ ذلك يعني أنّ المؤمنين بهذا الكتاب هم فقط القادرين على رؤية أخلاقية العمل، وأنّ العمل بذاته لا يمكن الاستدلال على أخلاقيته عقلياً أو حدسياً، وبالتالي فإنّ هذا يعطي رخصة ضمنيّة للآخرين بالتنصّل من مقاييس الكتاب المقدس لأنها عشوائية وغير قابلة للفهم المنطقي.  كما أنّ القول بأنّ إدراك مفهوم الأخلاقية ممكن فقط لأولئك “المملوئين من الروح القدس” أو “للروحانيين” قد يشكِّل إساءة استخدام للعهد الجديد بسبب مطّاطيّة هذا المفاهيم على أرض الواقع الحياتي، ولأنّه يعني بأنّ معرفة الأخلاقي هو أمر غير ممكن “للإنسان الطبيعي” والذي يشكِّل أيضاً مصطلحاً فضفاضاً على أرض الواقع.  وفي النهاية يصبح الكتاب المقدّس كتاباً لا يمكن الإستفادة حتى من أخلاقياته إلا للمؤمنين به والمسلّمين بعقائده فوق الطبيعية بدايةً.

            يجب إذاً أن يوجد مقياس آخر يمكن بواسطته الإستدلال على أخلاقية فِعل ما، بشكل يمكن أن يصل مفاهيمياً إلى جميع الناس، وهذا المقياس هو المثال الأعلى الموجود في ضمائر- حتى لو بشكل مجتزَأ- جميع الناس بصورة عميقة والذي يدفع الناس إلى السلوك بحسب الطبيعة الأدبية التي خلقها الله (رو 2: 14-15 )، وهنالك أيضاً ما يشير ضمناً في حديث الرسول بولس إلى إمكانية معرفة الله عبر الإعلان العام بطريق تتجاوز مجرّد معرفة وجوده حتى لو أنّهم لا لا يطيعونهم بفعل إرادتهم المعوجّة، والتي يبدو أنّ بولس لا يردّها إلى التواء بشري لا مفرّ منه بل إلى أفعال الإرادة (رو 1: 21، 28، 32).  ورغم انّ الضمير يمكن أن يلتوي لأسباب بيئية واجتماعية، إلّا أنّ العقل يمكن أن يساعد هنا في عملية الاستدلال على ما قد تشوّه حدسياً، كما أنّ الحدس الذي يمنحه الروح القدس للمؤمن المسيحي يمكن له أن يساعد العقل في التوصّل إلى ما يمكن للمنطق أن يتشوّش بسببه.  فالأخلاق إذاً تستند إلى مبدأ مطلق هو مبدأ الخير الذي هو الله من وجهة نظر مسيحية كتابية.  وأول من رأى ذلك هو أفلاطون الذي اعتبر الخير هو مثال المثل ومن خلاله فقط يمكن معرفة العدالة والجمال، أي أنّ مبدأ الخير هو الذي يمنح الإنسان المرتَكَز الأخلاقي (مصطفى حسن النشار، فكرة الألوهية عند أفلاطون، 149-50).  وبناءً على هذا فإنّ الأخلاق لا تكمن في الفعل كنشاط في حد ذاته بل في مسعاه ومدى  التصاقه بمثال الخير الذي هو الله.  إنّ التشوّش الكبير الحاصل في مجال الأخلاق هو بسبب محاولة دراسة أخلاقيّة النشاط، وهو أمر غير ممكن في كثير من الأحيان، لأنّ كل نشاط يقبل التفسير على أكثر من وجه.  وانطلاقاً من هذا المبدأ يمكن الإقرار مثلاً بثقة بأن المسيح لم يفعل خطيّةً لأنّه يمكن إثبات أنّ كل أفعاله كانت تتّسق مع الخير الأعظم الذي هو مشيئة الله وتهدف إليه.

ثانياً، كيف يمكن الاستدلال على وجود هذا المثال الأعلى؟

قد لا يتّفق الناس على وجود هذا المثال الأعلى، وحجّة رافضي وجوده هو أنّ الخير والشر أمران نسبيان.  ولكن الواقع يشير إلى عكس هذا الادّعاء، فكل الناس على الإطلاق يؤمنون بوجود الخير بشكل ما، ومعظمهم يتصرّف بشكلٍ يوحي بأنّ الخير هو في الصحة الجيدة والعقل السليم وفي السلوك بحسب القانون والامتناع عن القتل والاستحواذ على ما ينتمي للآخرين.  وحتى من يتكلّمون عن نسبية الأخلاق ويريدون أن يقلبوا المفاهيم رأساً على عقِب، وينظّرون عن عدم وجود مفاهيم مثل الخير والشر إلا في أذهان من يتحدّث عنها، يتصرّفون بما يناقض كلامهم؛ فلا يمكن تخيّل أنّ القائل بهذا الإدعاء سيصمت عن اقتحام سارقٍ لبيته وقتل أولاده ونهب ممتلكاته، بل سيطلب معاقبته والاقتصاص منه لأنّه يعتبر أنّ هذا هو الصحيح وأنّ ما فعله السارق شرّ، وحتى عند أخذ حالة متطرّفة مثل حالة أتباع ما يُسمّى “كنيسة الشيطان”، والذين يدّعون بأنّ المسامحة والغفران وغيرها هي شرور عظيمة، يمكن مراقبتهم وهم يمارسون شيئاً من هذه القيم ضمن مجموعتهم للحفاظ على وحدتهم ومن أجل “الخير العام” لمذهبهم، حتى لو لم يستعملوا نفس المصطلحات.

            ومن ناحية أخرى، فمن يدّعي أن انفعاله الأخلاقي عند طلبه الاقتصاص من المعتدي عليه هو بسبب تربيته في المجتمع وليس بسبب قيمة متأصّلة فطرياً في الإنسان، فهو يناقض نفسه، لأنّه يُظهِر عملياً بأنّه يؤمن بوجود أصلٍ أو مثال أعلى مطلق “لاأخلاقي”.  ولكن بحسب مبدئه النسبي فلا وجود للقيم الموضوعية المطلقة المنفصلة عن عالم التجارب الواقعية، فكيف يؤمن إذاً بوجود قيمة موضوعية هي “اللاأخلاق” حتى لو لم يوجد أي مثال عنها في الواقع؟  فالصراع إذاً ليس بين الاعتقاد بوجود قيمة موضوعية وعدم وجودها، بل الصراع هو بين الاعتقاد يوجود قيمة موضوعية للخير تستند إليها “الأخلاق” المعروفة وبين الاعتقاد بوجود قيمة موضوعية أخرى للخير تتمثّل باللاأخلاق أو الأخلاق النسبية.  ولكن الواقع الظاهري يُظهِر أن المثال الأول هو السائد والموجود والذي يمتلك أساساً أنطولوجياً في عالم الوجود البشري.  إذاً فمثال الخير هو المقياس الأول والأخير للطرفين المتناقضيْن.

ثالثاً، اختلاف مضمون مصطلح “الخير”

لا يوجد إذاً اختلاف كامل بين الطرفين في فهمهم لمعنى الخير، إنما هنالك اختلاف في الطرق المؤدّية لتحقيقه؛ فالطرفان يجدان بأن خير الإنسان يكمن في سعادته، ولكنهما يختلفان في طريقة تحديد هذه السعادة والوصول إليها.  وقبل الاستناد إلى رأي الله في الكتاب المقدس حول هذا الموضوع، ينبغي التنويه إلى أنّه يمكن في كثير من الأحيان من خلال المنطق إثبات أحقّية المذهب الأخلاقي في مقابل المذهب اللاأخلاقي، فكل تصرّف لاأخلاقي له عواقب معيّنة جسدياً ونفسياً، وعدم الالتفات إلى دراسة هذه النتائج منطقياً وضميرياً يجعل المذهب اللاأخلاقي في خطر حلّ مبدئه الأول الذي هو عدم الإطلاقية، على الأقل في الأمور التي يمكن تحليلها منطقياً.  قد لا يمكن تحليل مسألة كون الإنسان على صورة الله لأنها مسألة ميتافيزيقية، ولكن يمكن تحليل كثير من الأمور السلوكية اليومية.

            إنّ الطرفين يتّفقان بأنّ هدف الخير (عبر الأخلاق أو عبر اللاأخلاق) هو منح الإنسان في النهاية أكبر قدر ممكن من السعادة الحسّية والنفسية والمجتمعية.  ولكن هل يختلف مضمون الخير بين الطرفين؟

لا شكّ في أنّ الكتاب المقدس يقدّم حقائق عظيمة وغير مسبوقة عن طبيعة الله وحقيقته الثالوثية وتجسّده وعمل فدائه، ولكن في نفس الوقت فإنّ الكتاب المقدس لم يُكتَب في الخلاء وما يحتويه من إضاءات على الأمور السلوكية ليست عصيّة على الفهم البشري رغم حالته الساقطة الواضحة من الواقع أصلاً.  لا شكّ في أنّ الإعلان الموجود في الكتاب المقدس يكشف جوانب ميتافيزيقية لا يمكن معرفتها عبر الإعلان العام والمنطق البشري الخالص، ولكن في نفس الوقت فإنّ أفلاطون مثلاً تحدث عن كثير من صفات الله (مثال الخير) التي استدلّ عليها بطريقة عقلانية يمكن ملاحظتها في كتابه “الجمهورية” على سبيل المثال، حيث يبيّن بأنّ الظلم والشرّ يفنيان نفسيهما إن اتبّعا منطقهما اللاأخلاقي الخاص بهما، وهذا دليل على عدم نجاعتهما حتى في تخليص نفسيهما، فالأشرار لا يحرزون النجاح إلا عندما يتبعون “الخير” بين بعضهم البعض، فحتى بقاء شرّهم الذي قد يمارسونه مرهون بنشر الخير بينهم! (أفلاطون، الجمهورية، ترجمة عيسى الحسن، 101-102).  وهكذا فإنّ مفهوم الخير لا يمكن أن يكون مختلفاً تمام الإختلاف بين الجماعات البشرية مهما تباينت آراؤها على مستوى النظرية أو في التفاصيل السلوكية.  فالأخلاق الحقيقية هي التي ترتبط بالخير حتماً، والذي يتمثّل في عدم الإعتداء على النفس أو على الآخر بأيّة طريقة كانت، وإنّ ما يدّعيه القائلون بنسبية الخير وإمكانية ارتباطه بنمط لاأخلاقي في الحياة هو زعم يحلّ نفسه بنفسه على أرض الواقع العملي.

رابعاً، الخير في الكتاب المقدس

إنّ الأخلاقيات كما وردت في الإعلان الإلهي الخاص لا تختلق بالضرورة قيماً لا يستطيع المنطق البشري استيعابها، بل إنّها توقظ الإنسان من سبات الخطيّة وتجعله يقف مشدوهاً أمام كمال المنطق الذي يظهر في قيم مسيحية كالمحبة المضحّية والتواضع والإحسان وقدسية الزواج، والتي تظهر آثارها البنّاءة على الإنسان الفرد والمجتمع، لكل من لا يخشى الاعتراف بالواقع المرئيّ.  وبحسب لويس سميدس فإنّ الوصايا العشرة لم تأتِ بشيءٍ جديد بالنسبة لضمير الإنسان العبرانيّ، وهي لا تُقحِم في عقله “نظاماً سريّاً ومتفوّقاً” من الأخلاقيات، كما يعتبر أنّه وبالرغم من محاولة بعض المسيحيين إظهار مدى فساد العقل البشري والصورة الإلهية في الإنسان إلّا أنّ القدرة على الإحساس الأخلاقي لم تتدمّر تماماً نتيجة السقوط. (Lewis Smedes, Mere Morality, 20-22)

  ويؤكِّد توما الأكويني على هذا الواقع الإنساني حيث يعتبر أنّ العقل الإنساني قادر على معرفة حقيقة وجود الله وصفاته، وهو قادر على التمييز بين الخير والشر والتدرّب على ممارسة هذا التمييز، كما أنّه يجد أنّ مبدأ ضرورة عمل الخير وترك الشر هو مبدأ طبيعي موجود فطرياً في عقل الإنسان، وأنّ مبادئ الناموس الطبيعي مرتبطة بالميول الطبيعية للإنسان، كما أن الإنسان يمتلك بذار العدالة والشجاعة وضبط النفس والحكمة ولكنه يحتاج إلى تنيمتها بدون الحاجة إلى الإعلان الإلهي عن طريق الفطرة أو الحدس، ولكن في نفس الوقت فإنّ الإنسان بحاجة للإعلان الخاص في الكتاب المقدس لكي يتمكن من امتلاك فضائل الرجاء والإيمان والمحبة، والتي ترتبط بمعرفة أعمق لطبيعة الله وعمله والحقائق الميتافيزيقية في العالم الروحي (فايز فارس، الأخلاق المسيحية، الجزء الثاني، 45-47).  ويشرح لويس سميدس بطريقة تصويرية بارعة حاجة الإنسان للإعلان الخاص رغم إمكانية عقله وضميره استيعاب المنطق الأخلاقي عن طريق الإعلان العام، فالإنسان لا يمكن أن يعرف الهدف النهائي ودلالات النظام الأخلاقي من دون الإعلان الخاص، وهو يقول حول هذا:

من ينكر نعمة يسوع المسيح لن يسوع بوق الله المتعلّق بنظام الأخلاق ضمن سيمفونية الرحمة.  إذا كنتَ لم تختبر الله المخلِّص لن تعرف بأنّه أعطى وصاياه كمؤشِّرات لحياة إنسانية حقيقية ضمن محبة يسوع المسيح.  ولكنك تستطيع أن تعرف المحتوى الأخلاقي المحض للناموس.  يمكنك ان تعرف أن الله يقول “لا” لأشياء معيّنة، ويمكنك أن تعرف هذا لأن ضميرك يقول لها “لا”. (Smedes, 22)

 فالواقع يشير إلى أن الإنسان يعرف بفطرته أن يتتبع الأخلاق السلوكية العادية، وكثير من الأتقياء في كل العالم قادرون على ممارسة الفضائل والأخلاق، ويلخِّص هذه الملاحظة توما الأكويني كما يلي: “العقل الإنساني هو المعيار الذي يُقاس به خير الإرادة البشرية، لأن العقل ينشأ من الناموس الأبدي الذي هو العقل الإلهي ذاته؛ فمن الواضح أن صلاح الإرادة البشرية يعتمد على الناموس الأبدي أكثر منه العقل البشري.” (فارس، 230)  أي أنّ الخير يجب أن يكون قابلاً للإدراك بالعقل البشري الطبيعي لأنّ الصلاح الفطري الموجود فيه رغم السقوط مستمدّ مباشرةً من الناموس الطبيعي الإلهي.

 وأمّا الإعلان الإلهي الخاص فيرتبط بشكل رئيسي في معرفة أعمال الله العجيبة في الفداء والخلاص والكفّارة.  وتجدر الإشارة أيضاً أنّ سموّ الأخلاق موجود في كلّ ديانات وحضارات العالم القديمة تقريباً، والإعلان الخاص أورد هذه الأخلاق السامية بشكلٍ يقود في النهاية إلى فهم الخلاص والفداء، وليس لأنّها لم تكن معروفة عن طريق الإعلان العام؛ أي أن إيرادها كان غائياً Teleological أكثر من كونه اختراقاً للمنطق البشري الطبيعي.

منطقية الشرائع الإلهية وغائيّتها تتضح في شرائع الطعام على سبيل المثال التي يتضح بالبحث الجاد أنّها وُضِعت على أسس صحيّة وأسس أخرى اجتماعية ذات بعد روحي (راجع كتاب بن هوبرينك، العلم الحديث في الكتاب المقدس، ترجمة ميشيل خوري).  والكتاب المقدّس نفسه يعترف بمرحلية ونسبية هذه الشرائع، حيث أنّه يؤكد في العهد الجديد على عدم الحاجة إلى هذه النواميس (أع 10: 15).  ومن البديهي أنّ تكون الشريعة موضوعة لفائدة الإنسان الجسدية والروحية.  فالأخلاق الكتابية ليست حقائق جامدة لا سبب لها بل هي أخلاق عمليّة لها نتائج تتصل بسعادة الإنسان وتمجيد الصورة الإلهية فيه، فالأوامر الأخلاقية كاللوحة الفنية لا تُعرَف قيمتها إلا بمعرفة هدفها وبمقدار ما تدلّ على طبيعة الخير الذي هو شخص الله (أو المثال الأعلى في الفلسفة المثالية).

            اختلاف طريقة ومناسَبة تنفيذ كلّ أمر أخلاقي يدلّ على أنّ الأخلاق الكتابية لا ترتبط بالأمر نفسه بقدر ما ترتبط بدلالاته والقصد من تنفيذه؛ فالوصايا العشرة مثلاً ليست مطلقة مغلقة، بحيث أنّ الوصية “لا تقتل” لم تمنع من قتل بعض الناس بحسب قانون العقوبات الإلهية نفسه، ووصية “لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً” لم تمنع من نحت تماثيل الكروبيم على تابوت العهد، لأنّ تحريم النحت كان بهدف الحدّ من عبادة الأصنام وليس أنّ النحت بذاته شرّ، وطالما أن الكروبيم لم يكن معروضاً إلّا لرئيس الكهنة فلم يكن هنالك خطر عبادته.  كما أنّ وصايا الامتناع عن الالتصاق بالزواني أو مخالطتهنّ (لاويين 18) لم تمنع الله من أن يوصي هوشع النبي بالزواج من زانية.  هذا لا يعني أنّه يجوز اختراق الوصايا، بل يعني أنّ الله كان يضع دوماً ضرورة تبيان طبيعته بالإضافة للنفع العام للإنسان والمجتمع فوق كلّ اعتبار، أيّ أنّ الأخلاق الكتابية ترتبط دوماً بالدافع والقصد أولاً، ولا ترتبط دائماً بالتفصيل نفسه.  ولقد تابع يسوع المسيح هذا النموذج فأقرّ بأنّ السبت جُعِل لأجل الإنسان وليس العكس (مر 2: 27)، وأن وصايا الطهارة الطقسية ليست مطلقة في ذاتها بل يمكن تجاوزها لأنّ مضمونها الحقيقي لا يمكن في تفاصيلها نفسها بل في دلالتها على الطهارة القلبية أمام الله (مت 15: 11، 17-20)، كما أنّه لم يطبق الشريعة على الزانية رغم أنه كان يستطيع ذلك بحسب الشريعة (يو 8: 3-11).[1] ولعلّ المثال الأكبر على عدم ارتباط الخير بتفاصيل معيّنة هو حين أمر بولس الرسول مؤمني رومية بأنّ يغلبوا الشرّ بالخير (رو 12: 21)، رغم أنّه اعترف في المقطع اللاحق مباشرةً بأحقية الدولة في استعمال السيف بحقّ الأشرار والمخالفين، وهذا يعني ضمنياً بأنّ الخير يتمّ أحياناً عن طريق الحبس والقتل، وفي هذا طبعاً عدم مماثلة مع ألفاظ أوامر الوصايا العشرة.  ويعترف روبنسون مَكويلكين بأنّ سعادة الإنسان وملئه هما دوماً غرض الله المحب  (روبنسون مَكوِلكين، مقدمة إلى الأخلاق الكتابية، 38)، والسعادة والملء لا يتمّان طبعاً إلّا من خلال إظهار صورة الله في الإنسان، أي أن القصد الرئيسي لله هو خير الإنسان، وهذا يتضح أيضاً في الوعد الإسخاتولوجي نفسه.  وبناءً عى هذا الهدف الأسمى تُقاس التفاصيل السلوكية التي لا يمكن الحكم على أخلاقيتها إلا على ضوء هدف الله للإنسان والبشرية.

            وفي العهد القديم نفسه إشارات عديدة على أنّ هدف الوصية هو خير الإنسان والمجتمع؛ فقائمة البركات واللعنات في تثنية 28 تبيّن النتائج المباشرة الإيجابية والسلبية للعيش بحسب الوصايا الإلهية أو تركها؛ كما أنّ كاتب المزمور 119 يبيّن بأنّ الوصايا الإلهية تنتج لذةً وسروراً (ع 16، 24، 35، 70، 92)  فهي ليست مجرّد واجبات لا هدف لها أو معبّرة عن طبيعة ميتافيزيقية لا تخضع للمنطق البشري، بل هي تنتج معرفة وذوقاً صالحاً (ع 66) وحكمة لا تُضاهى (ع 98-100)، وهي تمنح الاستنارة والتعقّل وتغيّر الإنسان (ع 130)،  كما أنها منطقية يمكن فهمها فتثير المحبّة لها (ع 140، 159).  وسفر المزامير يذخر بالتلميح عن نتائج الاستقامة واتّباع الوصايا (وهذا يعني التحلّي بالأخلاق) (مز 18: 25-26؛ 25: 8-14؛ 31: 19).  كما أنّ سفر الأمثال يوصي بوصايا لا تختلف في فحواها عن الوصايا العشرة ولكنه يبيّن نتائج تطبيقها أو عدم تطبيقها.  ولا ريب في أنّ التطويبات التي نطق بها المسيح تبيّن ببساطة كيف أنّ السلوك بحسب قلب الله يُنشئ نتائج طيّبة (مت 5: 1- 12).  ويختصر لويس سميدس فحوى الوصايا الإلهية بأنّها “علامات حياة الفرح البنّاء، وهي تهدف إلى خيرنا وسعادتنا.” (Smedes, 23)

خامساً، نظرة واقعية

يجب الاعتراف أنّه من الاستحالة بمكان معرفة كلّ النتائج التفصيلية التي سيؤدّي إليها أيّ اختيار أخلاقي يقوم بها الفرد أو المجتمع، وبناءً على هذا يبرز إلى الواجهة السؤال التالي: كيف يمكن إذاً معرفة أخلاقية عمل معيّن بناءً على نتائج غير معروفة التفاصيل؟

            صعوبة السؤال لا تعني الحكم بنسبية مفهوم الخير، بل تعني أنّه يجب على الفرد أن يحكم دائماً بحسب فهمه للوصية الإلهية والظرف الحاصل، مع محاولة الوصول إلى السلوك الأخلاقي الصحيح بكلّ إخلاص ونزاهة ومسؤولية أمام الله والذات والمجتمع.  وبالنسبة للمجتمع فإنّ اتخاذ القرار الأخلاقي الصحيح فيه يتمّ عبر دراسة متأنيّة لما يحقق الخير العام بأفضل شكل ممكن بعد استنفاد كل الاقتراحات والحلول الممكنة.  أي أنّ الأمر في النهاية يخضع للجهد العقلي المخلص ولحريّة الضمير.

            فمثلاً إن كان الإنسان المسيحي مخيَّراً بين تسليم مطلوب للسلطة الحاكمة وإخفائه، عليه في البداية أن يستبيِن حقيقة المطلوب وما فعله، ويستبين قدر الإمكان السبب الذي تريد السلطة الحاكمة أن تقبض عليه بسببه، ومن ثمّ يفكّر في إرادة الله لحياة الإنسان، حيث أن الله لا يرضى بالظلم والقتل، وهو إن منع الكذب وشهادة الزور فمن الواضح أن منعها لأجل تفادي ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.  وعلى هذا، فهل يمكن للمسيحي أن يساهم في ظلم إنسان وربما موته من أجل أن يطبّق حرفية وصيّة قُصِد من وضعها عدم الظلم، فضلاً عن أنه يساهم في تسهيل تدمير حياة إنسان مات المسيح من أجل حفظ صورة الله فيه؟!  من ناحيةٍ أخرى فإنّ هذا الشخص لا يمكن له أن يلمّ بكل النتائج المترتبة على عدم تسليمه، ولكن ينبغي له الحكم على الأمر بقدر ما استطاع ضميره استكشاف إرادة الله في هذه الحالة.

            وفي مثالٍ آخر عن إطلاقية ونتائج المفاهيم والسلوكيات الأخلاقية يبدو أنّ مفهوم وتطبيقات فِعل الزِّنى يختلف رغم مظاهر الإطلاقية الواضحة؛ فعلى سبيل المثال يعلِّم يسوع عن ارتكاب فِعل الزِّنى القلبي عند النظر إلى إمرأة بغرض اشتهائها (مت 5: 28).  ويشيع بين المسيحيين أن يساووا تماماً بين هذا الفِعل القلبي والفِعل الحقيقي، ولكن يسوع حين يتحدّث عن الطّلاق يجعله غير ممكن إلّا في حالة الزِّنى (مت 5: 32 )، ويبدو من البديهيّ أن يسوع يتحدّث هنا عن واقعة الزِّنى الفعليّ وليس القلبي، وهذا يشير إلى عدم المطابقة الكاملة بين الفِعليْن.  هل هذا يعني ان النظر بغرض الشهوة ليس بخطيّة؟  بالطبع لا، فالوصيّة واضحة.  ولكن هذا يعني أنّه وإن كان الزِّنى في القلب يساوي من جوانب معيّنة الزِّنى الواقعي إلّا أنّه لا يطابقه تماماً، ولا يمتلك نفس الانعكاسات والنتائج، لا بل يذهب لويس سميدس إلى القول بأنّ وصيّة “لا تزنِ” مختصة فقط بكسر عهد الزواج ولا تشمل بحسب سياقها كلّ المشاعر الجنسية (Smedes, 168).  ما الذي يعنيه هذا؟  هذا يعني أن السلوكيات الأخلاقية، أو ما يُظنّ أنها كذلك، ليست دائماً كما تبدو عليه للوهلة الأولى، سواء من حيث القيمة أو القصد أو النتائج.  وقد لخّص يسوع المسيح الناموس والأنبياء في محبّة الله من كل القلب والفكر والقدرة ومحبة القريب كالذات (مت 22: 37-40)، ويُفهَم من هذا أنّ كل السلوكيات يجب أن تنطلق من هذيْن المنطلقيْن، فالمحبة هي “رباط الكمال” (كو 3: 14).

الاستنتاج

            ترتبط الأخلاق البشرية بدايةً بوجود مثال الخير وهو الله الذي يظهره الكتاب المقدّس.  وهذا المثال الأعلى موجود عند كل إنسان ومعروف بالفطرة كما يتبيّن من الفصلين الأولين من رسالة رومية.  إنّ جوهر الخير لا يختلف من إنسان لآخر، ورغم أنّ البعض يحاول المجادلة بشأن نسبية هذا المفهوم، يمكن الملاحظة بأنّ كلّ إنسان يتوقّع من الآخرين نمطاً معيّناً من السلوك، فالظلم والشرّ يفنيان نفسيهما إن اتبّعا منطقهما اللاأخلاقي الخاص بهما، وهذا دليل على عدم نجاعتهما حتى في تخليص نفسيهما، فالأشرار لا يحرزون النجاح إلا عندما يتبعون “الخير” بين بعضهم البعض، فحتى بقاء شرّهم الذي قد يمارسونه مرهون بنشر الخير بينهم.

            من ناحية أخرى فإنّ الأخلاق الكتابية الناشئة عن الوصايا الكتابية هي سلوكيات غائية وليست وصايا جامدة، وهذا يبدو واضحاً في التطويبات والمزامير وعدة اماكن من الكتاب المقدس، فهدف هذه الوصايا هو خير الإنسان والمجتمع ونقاء صورة الله التي في الإنسان.  والكتاب المقدس يبيّن عدم التزامه بحرفية الوصايا بل بروحها ومعناها وقصدها، وهذا يتضح في تطبيق الوصايا العشرة مثلاً، وهكذا يبدو بأنّ السلوكيات نفسها قد لا تمتلك القيمة في ذاتها دائماً أو في تعبيرها الخارجي، بل إنّ القيمة الأخلاقية تكمن في نيّة عملها وتوجّهها وقصدها نحو محبة الله والقريب.

 

           

 


[1]قد يقول البعض بأنّ يسوع لم يطبّق الحكم في الزانية لأن الفريسيين لم يقبضوا على الزاني الذي كان برفقتها، ولكن من الواضح أن هذا ليس سبباً كافياً، فقد كان بإمكان يسوع أن ينفذ فيها الحكم.

الإعلانات

2 thoughts on “مقدّمة في مفهوم الأخلاق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.