الترسيخ القسري للمادّيّة في العصر التكنولوجي


 

بقلم فادي أبو ديب

328844-52621-39

 

            إنّ الانفجار التكنولوجي الهائل في العقود الأخيرة قد أدّى إلى وثبة هائلة في العالم في مجالات تسهيل حياة الإنسان من نواحٍ لا حصر لها، كما أنّه أزال الصعوبات التي كانت تعترض الإنسان في الماضي، فقد أصبح علاج كثيرٍ من الأمراض المستعصية سابقاً ممكناً، وأصبح الوصول إلى كافّة أنواع المعرفة سهلاً وسريعاً، بالإضافة إلى الإمكانيات الكبيرة في تسهيل التواصل بين الأفراد والمجتمعات في كل أنحاء المعمورة.  إلّا أنّ هذا التقدّم التكنولوجي الهائل لم يحصل بدون أثمانٍ باهظة؛ فقد ظهرت أمراض متعدّدة ناتجة عن التكنولوجيا؛ فتشير بعض الدراسات الحديثة مثلاً إلى الأثر السلبي للتكنولوجيا في زيادة “البلاهة”![1]

            ولكن بالإضافة إلى هذه الأضرار غيرها، يبقى هنالك خطر كبير قلّما يتمّ الإلتفات إليه، وهذا الخطر هو ازدياد الفكر المادّي بشكل تلقائي في الأوساط والأمكنة التي يسود فيها التوجّه نحو تصنيع التكنولوجيا واستهلاكها بشكل كبير.  إلّا أنّ اعتراضات عديدة قد تُطرَح ضدّ هذا الرّأي، فالبعض يرى أنّ التقنيّة هي مجرّد وسيلة لتسهيل الحياة وليس لها علاقة حتميّة مع رفع منسوب التفكير المادّي الذي يعود لأسباب فكرية، والبعض الآخر قد يرى بأنّ تصنيع واستهلاك التكنولوجيا لا يختلف عن أيّة ظاهرة اجتماعية أخرى، وأنّ الإنسان قد يستخدم الزراعة أو الحِرَف البسيطة في دعم التوجّه المادّي في المجتمع.  ورغم أنّ هنالك نصيباً من الصِّحّة في الآراء السّابقة، إلّا أنّ واقع الحال والمشاهدة يشيران إلى أنّ التكنولوجيا هي العامل الأكبر في توسيع نطاق التفكير المادّي.

أولاً،التكنولوجيا وعلاقتها بالأسرة

قد يبدو للوهلة الأولى أنّ الحديث عن علاقة ما للتكنولوجيا بمفهوم الأسرة غير واقعيّ.  ولكن هنالك ارتباط وثيق بين ازدياد التصنيع التكنولوجي مع تفكيك الأسرة وإضعاف روابطها الداخلية.  هذه العلاقة لا تتوقّف فقط على ازدياد الانشغال بسبب التعامل مع الأجهزة ووسائل الاتصالات، بل تتعدّاه إلى تغيير النظرة إلى الحياة نفسها عند كلّ فرد من أفراد الأسرة، حيث أنّ المجتمع التقنيّ يقوم أصلاً على استمرار التصنيع وضرورة الاستهلاك الدائم والسريع، وعلى معايير عالية للرفاهية، وبالتالي فهو مضطرّ إلى مخاطبة الفرد أكثر من مخاطبة الأسرة أو الجماعة، بمعنى أنّ الثقافة التقنية- الاستهلاكية تحتاج إلى لفت انتباه كلّ فرد، وهي بحاجة لانخراط كلّ فرد بمفرده فيها، فلا يكفي أن تكون الأسرة أو الجماعة أو المديرية الحكومية أو المدرسة أو الشركة العامة هي من يمتلك الجهاز أو التقنية، بل على كلّ فرد أن يمتلك جهازه الخاص، لا بل على كل فرد أن يُنشئ شركته الخاصة، وفي معظم الأحيان يكون الامتلاك بغرض الرفاهية أو بهدف الإنخراط في تجارة التقنيات وما يتعلّق بها، وهذا الحافز هو ما يلعب عليه مصنّعو التقنيات ومسوّقوها.

 ويمكن الإفتراض بأنّ الثقافة الاستهلاكية المنفلتة لا يمكن أن تزدهر في مجتمعٍ فيه روابط اجتماعية وأسس تعاونية قوية، لأن الاستهلاك يقوم على طريقة معيّنة في التعليم والصناعة والتجارة لا يمكن تحقيقها في مجتمع يعتمد على التعاون بدلاً عن التقنية المبالغ فيها، فهو يعمل على استنزاف كلّ فرد والحصول على تركيزه كاملاً. وهنا تأتي ضرورة تفكيك الأسرة، كعملية مقصودة أو ضرورية غير مقصودة.  ومن ناحية أُخرى كثيراً ما تُطرَح أهمية وحتميّة التطور التكنولوجي لملائمة حاجات البشرية، ولكن يجب التنبيه إلى أنّ الثقافة الإستهلاكية التي أنتجت جسور التواصل هذه هي نفسها التي سببت التفرّق الكبير للعائلات والأُسَر، بسبب السعي المادي الفردي لكل فرد من أفرادها على حِدة.  ولعلّه من الواضح اليوم أنّ معظم البلدان التي تسود فيها التقنيّات الحديثة هي أكثر البلدان تركيزاّ على الفردية وتعرّضاً إلى تفكّك القيم الأُسَريّة.  وتذكر واندا برُنستِتر Wanda Brunstetter (وهي كاتبة وروائية أمريكية بارزة) بأنّ جماعات الآميش Amish المنحدرة تاريخياً من الأنابابتيست تركوا استخدام معظم التقنيات الحديثة لاعتقادهم بأنّها كثرة التركيز على استخدامها يمزِّق وحدة الأسرة.[2]  وفي الواقع فإنّ هذا الإعتقاد لا يخرق المنطق، ولا يعتمد على مفاهيم لاهوتية معقّدة عن طبيعة الحضارة المادية، بل هو نتاج مراقبة بسيطة لواقع الحياة، حيث يميل الناس في المجتمعات المعقَّدة تكنولوجياً إلى اللجوء إلى الأجهزة لحلّ مشاكلهم والحصول على متطلّباتهم، بدلاً من اللجوء إلى بعضهم البعض وإنجاز الأعمال الصعبة بطريقة جماعيّة.

ثانياً، التكنولوجيا وحلقة ترسيخ الفِكر المادي القسري

إن الانغماس في التكنولوجيا يؤدّي بالضرورة إلى الانغماس في نمط الحياة المادّية، فقد أتاحت التقنية الحديثة نشوء مئات المهن التي تعتمد على المال الإلكتروني، والتي تسدي أبسط الخدمات العادية- التي يقوم بها المجتمع الطبيعي مجاناً عادةً- مقابل المال، فمثلاً يمكن اليوم للمرء أن يبيع حتى عظة الأحد أو النصيحة أو الصورة غير الاحترافية مقابل المال.  وهذا الأمر لا يعني أنّ البائع هو فقط من يخضع للأسلوب المادّي في كل تفاصيل حياته، بل هذا يعني أن المشتري سيضطرّ إلى التفكير الدائم بالطريقة المادّية التجارية (التي كانت حكراً على التجار والصناعيين سابقاً) من أجل ان يضمن إمكانية استمراره في الانخراط في مجتمع بات يعتمد شيئاً شيئاً على البضاعة الإفتراضية.   

 لقد احتكرت الجهات التي تقوم على نشر المادّية الاستهلاكية، التي تتجلّى في الرأسمالية المتحرِّرة، التكنولوجيا ووسائل الاتصالات، محوِّلةً إياها إلى وسيلة لبلوغ الفكر المادي إلى أسواق العالم المرتبطة ببعضها البعض، ووسيلة للتبشير بتوحيد أنماط الإنتاج والاستهلاك في العالم، وأداة فعّالة لتكريس “الفكر الاستراتيجي الليبرالي” وزيادة الأرباح بطريقة انفجارية عن طريق توسيع الأسواق بطريقة إجبارية، وهكذا تحوّلت التكنولوجيا بفعل العولمة وانتشار الاستهلاكية المادّيّة إلى وسيلة لإرساء جذور التفكير المادّي، بعدما تمكنّت من تجنيد التقنيات والعلم ووسائل الاتصالات التي أصبح معظم عملها ينحصر في زيادة رؤوس الأموال والأرباح والاستهلاكية. (يحيى اليحياوي، العولمة: أيّة عولمة، 146، 148)

إلّا أنّ ثقافة الاستهلاك كنمط حياتي لا يمكن أن توجد  في مجتمعٍ يتمتّع فيه كلّ فرد بالحريّة الحقيقية، فهذه الظاهرة تقوم بشكلٍ حتميّ على المؤسساتية الاستغلالية، وهذه المؤسساتية لا يمكن ان تستمرّ بدون أن تحصّن نفسها بقوانين تكفل لها ضمان إجبار الناس على التعامل معها من خلال توليد الحاجة لديهم لهذا التعامل؛  فمؤسسة لصناعة الأجهزة الإلكترونية- على سبيل المثال- لا يمكن أن تستمرّ بدون مؤسسات تعليمية ترفدها بالمختصّين والعمّال، وهذه المؤسسات تحتاج لهذه الأجهزة الإلكترونية التي ستزوّدها بها تلك المؤسّسات الصناعية نفسها. والمؤسسات التعليمية الآنفة الذِّكر لا يمكن أن تقوم بدون وجود مؤسسات تنشئة للأولاد، وعلى هذا يجب أن يكون التعليم إلزامياً وموجَّهاً بطريقة معيّنة.  كما يجب أنّ تكون رواتب هذه المؤسّسات مغرية، وبالتالي يجب أن تبيع هذه الشركات منتجاتها بسعرٍ مرتفع، والناس مجبَرة على الشِّراء لأنّ أولادهم لا يمكن أن يتخرّجوا من المؤسسات التعليمية بدون أن يكونوا على معرفة دقيقة بالتعامل مع هذه الأجهزة.  ثم إنّ الناس مجبرون على إدخال أولادهم في هذه المؤسَّسات التي ترفد الشركات الصناعية من الأساس (مثل جامعات العلوم التكنولوجية التي ازداد عددها بشكل انفجاري في كلّ أنحاء العالم)، لأنّ مسار المجتمع كلّه تحوّل، بحيث أصبحت معظم المهن تصبّ في خدمة هذه المؤسّسات.  وبالتالي أصبح هنالك حلقة مغلقة تعمل على غرس التفكير المادي الاستهلاكي في العقول، وهذه الحلقة قوامها مؤسسات تُعنى بالتهيئة الفكرية لهذه الثقافة، وأُخرى تتولّى الجانب الفنّي التصنيعي، بحيث يصبح من الصعب الاستمرار في المجتمع من دون الإنضواء تحت لوائها.

       نجاح هذه المنظومة غير ممكن من دون التركيز على الفرد، فلكي تتمكّن الجهات القائمة على التصنيع وتشجيع الاستهلاك الباذخ من الإستمرار في زيادة أرباحها بنسب انفجارية يجب أن تعتمد على انخراط كلّ فرد فيها؛ فلم يعد يكفي أن تمتلك العائلة أو المدرسة التقنيات، بل يجب على كل فرد امتلاكها.  والتسويق الإستهلاكي يشجِّع كل فرد ليس فقط على امتلاك أجهزته الخاصة وسيارته الخاصة، بل يشجِّعه دائماً على استبدالها بشكل دوريّ، بحيث تبقى عجلتها الاقتصادية دائمة الإستمرار، وبحيث يبقى الفرد، مهما كانت مهنته، منشغلاً ضمن حركة السوق، أي أنّ هذه الحركة تعمل على تحويل كل شخص إلى رأسمالي صغير-على الأقل- ومستهلك كبير في نفس الوقت، لأنّ هذه هي الطريقة الوحيدة ليتمكن هو نفسه من استجلاب المال والدخول في العجلة الإستهلاكية.  كما تقوم الجهات القائمة على نشر المادّيّة الاستهلاكية باستعمال التكنولوجيا ليس فقط كمروِّج، وإنما لتصبح هي الوسيلة والهدف، عن طريق استعمالها وصناعتها والتخصّص بها وتحويلها إلى موضوع فكريّ قائم بذاته، محوَّلةً بذلك أجيالاً كاملة من الشباب إلى عاملين في مصانع إنتاجها وتسويقها.  وتشرح سعاد خيري عن هذه الحقيقة الواقعة فتقول بأنّه “في النظام الرأسمالي تؤدّي الثورة العلمية التكنولوجية إلى أن يكون العامل المثالي هو الإنسان الآلي الخاضع والمهندس آلة لتصليح ومراقبة الآلة.” (سعاد خيري، العولمة: وحدة وصراع النقيضين عولمة الرأسمال والعولمة الإنسانية، 135).  ولكن لماذا تخصيص النظام الرأسمالي وما علاقة هذا بموضوع التفكير المادّي والتكنولوجيا؟  إنّ العلاقة وثيقة، لا بل وحتميّة، لأنّ النظام الرأسمالي هو الممثِّل الأفضل والأكثر عمليّةً وجلاءً للتفكير المادّي، وهو “لا يستطيع أن يتعامل مع التكنولوجيا الحديثة بشكل صحيح لأنه قائم على أساس تحقيق أعلى الرّبحيّة.” (خيري، 137)

            الفكرة هنا ليست في خطأ نشوء هذه المؤسسات المصنِّعة والمسوّقة للتكنولوجيا من حيث المبدأ، بل في كونها أصبحت مركز المجتمع، والمتحكِّم في الدُّوَل، والرّاسم المباشر أو غير المباشر للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، لا بل أصبحت في بعض الدول الكبرى هي من يحضّ ويشجِّع على الحروب من أجل ازدهار صناعتها (كصناعة الأسلحة والأدوية مثلاً).

ثالثاً، الكتاب المقدس ونظرته للمادية والسعي نحو الممتلكات

      إنّ نظرة الكتاب المقدس نحو المادّيّة واضحة؛ فقد حسم يسوع موقف الإنسان من المال حين جزم بأنّ الإنسان لا يستطيع أن يخدم الله والمال في آنٍ معاً (مت 6: 24 )،  وهو قد أوضح بأنّ على الإنسان أن يتبع كنزه السماوي وألّا يهتم لحياته بما يأكل ويشرب ويلبس لأنّ هذه الأمور يرسلها الله للجميع بتلقائية (مت 5: 45)، وخاصة لمن يطلبون ملكوت الله ويرّه أوّلاً (مت 6: 25-34).  وفي مَثَل الغني الغبي ومَثَل الغنيّ ولعازر أمثلة واضحة عن الكيفية التي يجعل بها التفكير المادي حماقة الإنسان جليّة بحيث تمنعه من معرفة الله ومشيئته (لو 12: 16-12، 16: 19-31).  كما قلّل يسوع المسيح من إمكانية دخول الأغنياء إلى ملكوت السماوات (مت 19: 23-24)، وقد تبعه يعقوب الرسول في التأكيد على هذا الموضوع حين وبّخ الأغنياء مطالباً إيّاهم بالنوح والبكاء بسبب تمسّكهم بأموالهم وأسلوب حياتهم المادّيّ المترَف (يع 5: 1-6)، معتبراً أنّ محبّة العالم هي عداوة الله، حيث يبدو بأن يعقوب يقصد الإشارة إلى أسلوب الحياة المتعلّق بالممتلكات (يع 4: 4).  يوحنا الرسول من جهته أوضح بأنّ كل ما في العالم هي الأشياء التي تتركز حول شهوة العيون والجسد وتعظّم المعيشة، وتعظّم المعيشة هو أسلوب الحياة المنساق وراء المادّيّة والذي يسعى إلى التَّرَف والمتطلبات العظيمة (1يو 2: 15-17).  كما انّ بولس الرسول شجّع على العطاء بشكل واضح و هذا يعني ضمنيّاً عدم التمسّك بالممتلكات (2 كو 9: 6-8).

         إنّ التقنية في العصر الحاضر هي عصب المادّيّة، وهي أداتها وغايتها في نفس الوقت.  ورغم أنّه لم يكن هناك في أزمنة الكتاب المقدَّس تقنيّات بالمفهوم الحديث للكلمة، أي بشكل أدوات تشكِّل مادّة استهلاكية لكل فرد من أفراد المجتمع، فإنّ الكتاب المقدَّس بعهديْه القديم والجديد يشنّ هجوماً عنيفاً على المتمسّكين بالممتلكات والذين يركّزون كلّ جهدهم في مجال التفكير والسعي المادّيّيْن.  ويشير النبيّ إشعياء إلى دينونة الله على أولئك الذين يسعون إلى احتكار الممتلكات في المجتمع (إش 5: 8-10) متوعِّداً إيّاهم بقلّة البركة الناتجة عن كلّ ما يملكون.  كما أنّ النبي عاموس يتوعّد المتنعّمين والذين يظلمون الناس ويجعلون الممتلكات المادّيّة هدفهم الأسمى في الحياة بالخراب (عا 6: 1-7).  وإذا كان أنبياء العهد القديم والعهد الجديد بالإضافة إلى الربّ يسوع المسيح قد أدانوا سعي الأغنياء إلى جمع الكنوز المادّيّة وحصر تفكيرهم بها، فإنّ العصر الحالي هو أكثر مادّيّةً بما لا يُقاس بعد أن أصبحت القدرة على الخضوع للحياة المادّية في كلّ تفاصيلها ممكنة لعدد أكبر من الأفراد بفعل تبلور مفاهيم الرّفاهية العالية، وبسبب تقدّم التقنيّة الحديثة التي أصبحت وسيلة الحياة المعاصرة وهدفها، بحيث أنّها لم تعد مجرّد أداة للامتلاك بل أصبحت أداة لتجنيد الأفراد في آلاف المؤسّسات التعليمية والصناعية والتجارية والتسويقية الإعلانية.

رابعاً، حلول مبدئية لمحاربة الفِكر المادي في العصر التكنولوجي

إنّ مواجهة المادّيّة عملية مستمرة ودائمة، ويجب أن تكون على أكثر من مستوى، فِكري أولاً ومن ثم اجتماعي اقتصادي؛ ففي البداية يجب الاقتناع بأنّ قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في ماهيته كإنسان على صورة الله، ومن ثمّ في مواهبه التي أغدقها عليه الله أبو الأنوار (يع 1: 17).  كما يجب إدراك حقيقة أنّ كلّ ما في العالم المادي الطبيعي قد خُلِق للاستمتاع به مع الشكر (2كو 4: 15؛ 1تي 4: 3-4).  ولكن ينبغي أيضاً إدراك حقيقة أنّ التعلّق بالمادّيات والانصياع لسياسات المجتمع التقني تفقد الإنسان الفهم العملي لحقيقة القيمة الإنسانية حتى لو احتفظ بالتعليم النَّظَريّ، وتجعله ينسحب تدريجياً نحو التفكير المادي فلا يعد في قلبه وفِكره مكان للحبّ والعطاء وإدراك الكنه الحقيقي للفضيلة والخير والجمال.

أمّا من ناحية اجتماعية اقتصادية، فيجب تشجيع الأفراد والعائلات- وخاصة في المناطق الريفية- على الاهتمام بالموارد الطبيعية، وخاصة ممن يمتلكون الأراضي الزراعية حيث يجب تشجيعهم على عدم التخلّي عنها مهما كان الثمن في سبيل الإنتقال إلى المدينة، وذلك عبر دعمهم بواسطة مؤسسات اجتماعية متخصّصة. وكما ينبغي الحثّ على العمل التكاملي بين أفراد الأسرة والتخفيف من تطرف النزعات الفردية، والتشجيع على حياة البساطة وعدم الاستهلاك المستنزف للتقنية  مما يساهم في تقليل التفكير المادي الفردي، وذلك عن طريق عدم الشِّراء الباذخ والذي لا ينطلق من حاجة حقيقية، وكذلك عدم استبدال الأجهزة والممتلكات الموجودة بدون وجود حاجة حقيقية.  ورغم أن التفكير المادي ذو سبب روحي، ولكن من المفيد تخفيفه بوسائط اجتماعية واقتصادية على المستوى الفردي والعائلي بدايةً على الأقل، وذلك عن طريق محاربة الخداع والاستغلال الذي يقوم به كبار رجال الأعمال الذين يعملون على احتكار الممتلكات وتحطيم البثنى العائلية عن طريق التلاعب بسبل العيش، وخاصةً في الريف.

 

 

الاستنتاج

       وضع التقدّم التكنولوجي أمام الإنسانية تحدّيّات كبيرة.  فعلى الرّغم من التسهيلات الهائلة التي قدّمتها التقنية إلّا أنّها ساهمت أيضاً في نشوء وانتشار العديد من المشاكل، لعلّ أبرزها زيادة وسيادة نمط التفكير المادّيّ.  وبسبب ضرورة النمط الاقتصادي الربحي المفتوح للمجتمعات القائمة على تصنيع واستهلاك التقنية، أدّى هذا إلى توجّه المؤسسات المعنيّة إلى مخاطبة الفرد واحتياجاته ورفاهيته الشخصية، مما أدّى بدوره إلى إضعاف الروابط الأسرية بشكل لاواعٍ عبر تحوّل المجتمع نحو المهن والأعمال التي لا تحتاج إلى الروابط الاجتماعية التعاونية الوثيقة.  بالإضافة إلى ذلك فقد انتشرت التجارة الإلكترونية التي ساهمت في ظهور وترسيخ الرأسمالية الفردية الصغيرة، وبالتالي ترسيخ التفكير المادّيّ ونمط الحياة المادّيّة؛ فالمادية أدت إلى ظهور وانتشار التقنيّة، وهذه بدورها عملت على دعم وترسيخ المادّيّة الاستهلاكية التي باتت وسيلة وغاية في المجتمع، عبر صياغتها للمؤسسات التربوية بحكم الضرورة، حتى لو بشكل غير مباشر، نتيجة للتحوّل القسري لمتطلّبات المجتمع.

     ولكن الكتاب المقدّس يقدّم نظرة حاسمة بشأن نمط الحياة المادية، فهو يدينها عبر العهدين القديم والجديد، لدرجة أن يسوع المسيح اعتبر أنّ محبّة المال تنافس محبة الله، بحيث لا يمكن لهما أن يتواجدا معاً في قلب إنسانٍ واحد.  إن الأخلاق المسيحية تشجّع بشكل حاسم عدم التمسّك بالممتلكات والكنوز المادية والأرضية، بل أن يسوع ويعقوب يذهبان إلى أنّ الغِنى المادي هو العامل الذي يجعل دخول الأغنياء إلى ملكوت السماوات أقرب إلى الأعجوبة.

إن محاربة النمط المادي يتطلب تغييراً فكرياً وروحياً في حياة الفرد والمجتمع، بالإضافة إلى العديد من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية المدروسة بعناية على المدى الطويل.


[1]“عدم قراءة الكتب يزيد من البلاهة،”  موقع روسيا اليوم؛ منشور بتاريخ 28 آب 2013؛ متوفر من:

 

<http://arabic.rt.com/news/625525-%D8%B9%D8%AF%D9%85_%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A8_%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%AF_%D9%85%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A9/&gt;

[2]Wanda Brunstetter, “Amish Facts: Amish Facts & Questions I’m frequently asked,” Question 14;  Wanda E. Brunstetter Website;  Accessed on 4 September, 2013.  Available on:

< http://www.wandabrunstetter.com/amish-life/amish-facts/&gt;.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.