الشعب العبرانيّ وكنعان:  أصول إسرائيل وفهم هويتها


بقلم فادي أبو ديب

 

مقدِّمة

            يُعدّ أصل الشّعب الإسرائيليّ واحداً من أكبر التحدّيات التي تواجه الفهم الواضح للجانب التاريخي من الكتاب المقدَّس؛ فالتحديات التي تواجه هذا الموضوع كبيرة، وخاصة مع عدم إمكانية البرهان القاطع على وجود آباء الشعب:  ابراهيم وإسحق ويعقوب.  من ناحية أخرى فالتساؤلات المنطقية حول حياة شعب إسرائيل توجِّه العديد من التحدّيات للتفسير الطبيعيّ المفتَرَض للنصوص التاريخية المأخوذة على أنّها نصوص روائيّة تاريخية.

            ستحاول هذه الورقة أن تتلمّس بعض القضايا الأساسية فيما يخصّ الهويّة الحقيقية للشعب الإسرائيلي، وستمرّ على بعض القضايا المنطقية، بالإضافة إلى مساهمات علم الآثار في تحديد ما يمكن تحديده من حقائق متعلّقة بهوية وتاريخ إسرائيل، ومن ثمّ، ومن خلال استخدام بعض النتائج التي توصّلت إليها مدرسة التحليل اليونغية، ستحاول أن تنظر إلى تفسير بعض النقاط في تاريخ إسرائيل بطريقة مختلفة عن التفسير التاريخيّ المحض، من أجل فهم دلالات وجود هذه القصص بهذه الطريقة.

تساؤلات منطقيّة

هنالك العديد من الأسئلة التي تواجه عملية التحليل المنطقي لبعض التفاصيل الدقيقة المتعلِّقة بحياة الشعب الإسرائيلي.  أحد هذه الأمور التي تثير التساؤل هي حقيقة تكلُّم الشعب الإسرائيلي للّغة الكنعانية كما يرد ذلك في إشعياء 19: 18.  وإذا كانت لغة التوراة ومعظم التناخ هي العبرانيّة/ الكنعانيّة، والتي تستخدم الاسم الكنعاني للإله “إيل” على سبيل المثال لا الحصر[1]، فإنّه من المشروع طرح السؤال التالي:  كيف كان الإسرائيليون ناطقين بالكنعانية (العبرانية القديمة) قبل دخولهم أرض كنعان، بحسب الرواية الدينية التقليدية، وهم لم يكونوا فيها؟ قد تكون الإجابة كامنة في حقيقة أنّ أجدادهم الأوائل تعلّموها في أرض كنعان وعلّموها لأولادهم. ولكن لماذا يترك الآباء لغة أور التي أتوا منها- بحسب الرواية- ويتعلّمون الكنعانية؟  وهل من الممكن فعلاً في ذلك الزمن أن يتعلّم الأولاد لغة شعب غريب ولا يحتفظوا بلغة عشيرتهم؟  ثمّ هل من الممكن أن يكون الشعب لم يتعلّم اللغة المصرية طوال 400 سنة بينما ترسّخت فيه لغة أرض كنعان في فترة زمنية أقصر؟  وإن كان موسى فقط هو من تعلّم الكنعانية بطريقة ما، فلماذا يكتب بلغة غريبة لا يعرفها الشعب، وإن كان كلّ الشعب يتكلّم بها، فكيف يمكن لمجموعة بشرية بهذه الضخامة أن تتقن لغة كنعان وهي لم تعش بها أو ترها؟

وباختصار، لماذا لم تكن لغة الشعب الإسرائيليّ هي اللغة الأكادية أو السومرية أو أيّاً كان من لغات ما بين النهرين- موطن ابراهيم الأصلي؟ ولماذا ليست لغة مصر، الأرض التي عاشوا فيها- بحسب المعتقد- 400 سنة؟  وإذا كان ابراهيم ساميّاً ساكناً في بلاد الرّافدين، فهل من المعقول أن يكون اللسان الساميّ هناك مطابقاً للّسان الساميّ في كنعان؟

من ناحية أخرى، كيف كان يمكن للإسرائيليين أن يعرفوا كلّ الشعوب الموجودة في أرض كنعان، لا بل أن يتعلّموا عن قبائلها المتعددة من يبوسيين وجرجاشيين وفرزّيين وحوّيين وغيرهم، إن كانوا لم يروا الأرض يوماً وعاشوا عبيداً في أرض مصر؟  هذه التساؤلات لا تعني بطبيعة الحال أنّها مستحيلة الإجابة، ولكنها بالفعل تستحقّ الإجابة والبحث لفهم أكبر لحقيقة الوقائع التاريخية.  فحتّى مع مشروعية عنصر الإيمان بالأوامر الإلهية والوحي الإلهي تبقى هذه أسئلة تحتاج إلى استقصاء وبحث من أجل توضيح الصّورة الغامضة.

وبالعودة إلى الوراء إلى مرحلة تاريخية أقدم، فإنّ عدم القدرة على الجزم بطريقة علميّة بتاريخانية وجود إبراهيم وإسحق ويعقوب والأحداث القليلة المدوّنة في زمانهم، هو الذي يدفع إلى محاولة التساؤل عن منطقيّة بعض التفاصيل في حياة الشعب الإسرائيليّ.  ويؤكِّد فراس السوّاح على أنّ المعرفة الحالية للعالم القديم في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد يجعل من الصعب تأريخ زمن الآباء:

…أحداث سفر التكوين نفسها لا تزودنا بأي مفتاح لحل مسألة تاريخانية عصر الآباء.  فهذه الأحداث، التي تدور حول مسائل عائلية وقبلية بحتة، معلقة في فضاء تاريخي كامل، ولا نجد فيها صدى للأحداث التاريخية، التي حفل بها عصر البرونز الوسيط، والتي صرنا اليوم على دراية تامة بمجرياتها الرئيسية وخطوطها العامة…وحتى الآن لم يستطع الباحثون بشكل مباشر العثور على مفاصل يمكن عندها مقاطعة أية قصة من قصص الآباء، أو أي عنصر ثانوي من عناصرها، مع أي حدث أو معلومة تاريخية من عصر البرونز الوسيط أو حتى من عصر البرونز الأخير.  ولا تقدم لنا أسماء الأمكنة أو أسماء الأشخاص الواردة في سفر التكوين معونة تذكر في هذا المجال.[2]

            إنّ هذا الفقدان المُحتَمَل لإمكانية الرّبط السّطحيّ أو الوثيق بين أحداث عصر الآباء والمعلومات التاريخية التي يبيِّنها علم الآثار، ووجود ما يناقض إمكانية الربط هذه من حيث اختلاف زمن سكن بعض المناطق، هو الذي يدفع إلى محاولة التساؤل عن هوية الشعب الإسرائيلي وتاريخ نشوئه وكيفيّته.  بالإضافة إلى ذلك، فإنّ البحث في الأصول بناءً على تساؤلات منطقية مستخرجة من أحداث الكتاب المقدَّس نفسها قد يشكِّل نوعاً من الأرضية التي تدفع الباحث في الوثائق والآثار التاريخية إلى التوجّه بشكلٍ يختلف ليقرِّر عمّا يبحث فعلاً.

إسرائيل وعلم الآثار

            لعلّ نصب الفرعون المصري مرنفتاح هو الدّليل الأثريّ الوحيد الذي يذكر اسم “إسرائيل” ويعود إلى فترة تقترب من فترة التأريخ  التقليدي للخروج بحسب إحدى المدارس المحافظة (حوالي عام 1200م)؛ فهذا النَّصب يذكر إسرائيل من بين الشعوب التي قهرها الفرعون المصري في حروبه.[3]  وعادةً ما يُؤخَذ هذا الأثر على أنّه إثبات على وجود إسرائيل المعروفة توراتياً؛ إلّا أنّ السوّاح يبيِّن في استعراضه للعديد من التفاسير لورود هذا الاسم بأنّ هذا الأمر غير ممكن، لأنّه، حتى لو كان الاسم دلالةً على مجموعة عرقية متجانسة، فإنّه لا يمكن أن تكون إسرائيل في ذلك الزمن بتلك القوة والوحدة التي تجعلها خصماً يفتخر فرعون بهزيمته.[4]  بالإضافة إلى ذلك فإنّ الكتاب المقدَّس لا يذكر في سفر القضاة، وهو المرحلة التي قد تقترب من زمن نصب مرنفتاح، أيّ معركة كبرى شبيهة بين إسرائيل ومصر.

وبشكل عام فإنّ كثيراً من العلماء يرجِّحون أن تكون إسرائيل هنا دلالة على أرض كنعان وسكانها أو جزء منهم، ويرجَّح أن تكون دلالة على اتحاد بعض القبائل الكنعانية المتمرِّدة على الحكم المصري في منطقة الهضاب الكنعانية.[5]  ويشرح يسرائيل فِنكلشتاين أنّ هنالك دليلاً أثرياً على وجود مثل هذا التكتّل الكنعاني المتمرِّد، الذي سعى إلى إيجاد هويّة وطنية مستقلة عن الحكم المصري وباقي دول المدن الكنعانية الخاضعة له، في تلك المنطقة الجغرافية من كنعان، حيث يبيِّن فنكلشتاين بأنّ رسائل تل العمارنة في مصر، التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، تبرهن بدايةً على وجود عدّة دول مدن في كنعان، وأنّ نمطين من هذه الدول قد انتشر في كنعان.

النمط الأول هو نمط المدن الصغيرة كثيفة السكان في المناطق السهلية والساحلية، والنمط الثاني هو مدن الهضاب الكبيرة ذات الكثافة القليلة (مثل شكيم وحاصور).[6]  ومن ثمّ فإنّ هنالك ما يدلّ على انقسام هذه المدن سياسياً إلى تحالفين:  التحالف الأول بقيادة شكيم، وهي من أكبر مدن الهضاب، سيطر على مناطق واسعة من هذه الهضاب بالإضافة إلى السهل الكنعاني وجزء من الطريق الملكيّ (في الأردن حالياً)[7]، وهذا يشبه إلى حدّ ما امتداد منطقة نفوذ مملكة إسرائيل الشمالية الكتابية[8]؛ والتحالف الثاني يتألّف من دول المدن المناهضة لتحالف شكيم والمُوالي للسلطة المصريّة.[9]

            ومن ناحية أخرى، فإنّ الأدلّة الأثرية الموجودة حالياً لا تشهد لأيّ غزوٍ خارجيّ فجائيّ، سواء كان ذلك في القرن الخامس عشر قبل الميلاد (التاريخ المحافظ الأول للخروج ودخول كنعان)، ولا في القرن الثالث عشر الميلاديّ (وهو التاريخ المحافظ الثاني الذي يعتمده البعض).[10]  وحتى وليم أولبرايت فإنّه يطرح فكرة ظهور إسرائيل للوجود كأمّة حوالي عام 1200م، وهو تاريخ نصب مرنفتاح تقريباً، بعد أن جاء بعضهم من مصر، وتسلّل تدريجياً إلى كنعان ليلاقي جماعات عبرانية أخرى موجودة هناك، قبل الانقضاض على المدن الكنعانية.[11]  وقد يكون لهذه النظرة بعض ما يؤيّدها آثارياً، حيث يُظهِر فنكلشتاين بأنّ علم الآثار يبيِّن حركة استيطان قويّة في منطقة الهضاب  في نهايات القرن الثالث عشر قبل الميلاد، تسارعت خلال القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد.[12]  وأمّا ما يمكن وصفه بالدّمار الرّهيب في كنعان فقد حدث في فترة متأخرة من العصر الحديد الأول، أي حوالي نهايات القرن الحادي عشر قبل الميلاد وصولاً إلى بدايات القرن العاشر، حيث تغيّرت المواد المستخدمة في الثقافة وظهر نمط مملكة إسرائيل الشمالية، مع التأكيد على أنّ هذا الدّمار لم يحصل في الفترة الزمنية نفسها.[13] 

وتدعم غلوريا لندن هذا الاستنتاج من خلال التأكيد على ضعف نظرية الغزو الخارجي كما هو وارد في سفر يشوع، حيث أنّها تبيِّن بأنّ هذا الضعف ناجم عن صعوبة في المطابقة بين الأسماء الكتابية والمواقع الأثريّة، وعن عدم دقّة في تحديد أعمار اللُّقى والمصنوعات اليدوية الأثرية، بالإضافة إلى استخدام غير نقدي لنصوص الكتاب المقدس.[14]  وبحسب لندن فإنّ ظاهرتين كانتا سائدتين جنباً إلى جنب في منطقة شرق المتوسط في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد:  “أولاً كان هنالك تناقص في عدد المستوطنات الكبيرة التي نشأت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد واستمرت حوالي مئتي عام؛ وثانياً كان هنالك ارتفاع في عدد المستوطنات بالغة الصِّغَر بدلاً عن القرى او البلدات متوسّطة الحجم.”[15]

            ومن خلال الدخول في ناحية تفصيلية تتعلّق بالفخاريّات، وهذه من أهم العناصر التي يعتمد عليها في البحث عن حضارات ذلك الزمن، تقرِّر لندن بأنّ محاولة الفصل بين الثقافتين الإسرائيلية والكنعانية لا ينبغي أن تكتفي بوجود بعض الفروقات بين فخّاريات منطقة الهضاب “الإسرائيلية” ومنطقة السهول “الكنعانية”، لأنّ وجود مثل هذه الفروق قد لا يشير إلى أكثر من فروقٍ اعتياديّة بين المناطق الحَضَريّة المدينيّة والمناطق الرّيفية، الموجودتين ضمن نفس الثقافة، بل يجب مقارنة اللُّقى الموجودة في المستوطنات الرّيفية في المنخفضات والسهول مع تلك الموجودة في المناطق الرّيفية في الهضاب ومنطقة النَّقَب.[16]

            وانطلاقاً من هذه المقارنة السابقة تخلُص لندن إلى نتيجة مفادها أنّ “قليلاً من البقايا الأثريّة المتوفّرة حالياً تسمح للمرء أن يميِّز الفصل الذي يقترحه النصّ بين الإسرائيليين والكنعانيين.”[17]  فالفروق الموجودة في الفخّاريات لا تعدو عن كونها فروقاً بين ثقافة المدينة وثقافة الرّيف، حيث يمثّل الكنعانيون سكّان المناطق المنخفضة والسهول والإسرائيليّون مناطق الهضاب الرّيفية.[18] 

فهم “إسرائيل”

            في حال كان من الثابت عدم إمكانية أخذ قصص الآباء والخروج والدخول إلى أرض كنعان وتأسيس إسرائيل بطريقة حرفيّة من النصّ الكتابيّ- وإثبات عدم الإمكانية ليس قضيّة هذه الورقة- إلّا أنّ إيجاد معنىً روحيّ عميق لهذه القصص ليس مستحيلاً؛ فمحاولات التفسير الرّمزية القديمة قِدَم المسيحية وجدت الكثير من المعاني في قصص ابراهيم والطوفان والخروج ودخول أرض كنعان.  كما أنّ مدرسة التحليل النفسي اليونغية (نسبةً إلى كارل يونغ) وجدت في القصص الأسطورية دلالات كبيرةومهمّة للوجود الإنسانيّ.  وتبيِّن ماري لويس فون فرانتس بأنّ قصص عبور الأنهار أو المياه كانت دائمة الظهور في الأساطير والأحلام كدلالة على نقاط تحوّل جذرية في وعي الفرد لنفسه The self، وهي ليست صورة نادرة الظهور أبداً.[19]  وإذا تمّ تطبيق هذا المفهوم على قصة خروج الشعب من مصر عبر البحر الأحمر، أو قصة عبور الشعب الإسرائيلي لنهر الأردن في طريق دخولهم إلى أرض كنعان، فإنّها قد تكون ذات دلالة لاواعية عظيمة ظهرت في التدوين كتعبير عن تحوّل وعي فئة بشرية معيّنة لذاتها ولهويّتها الجمعيّة بشكل مختلف جذرياً عن قبل.  وهذا ربّما يفسِّر العداء الشديد الذي يظهره الشعب الإسرائيلي لكلّ ما يمتّ للكنعانيين بصلة، رغم أنّ هؤلاء لم يكونوا مختلفين جداً عن باقي شعوب المنطقة من حيث الممارسات أو العبادات.  فالعداء كثيراً ما يكون شعوراً فردياً أو جماعياً موجَّهاً ضدّ ماضي الفرد أو الجماعة.

كما تشرح فون فرانتس عن دلالة قصص الارتحال التي تظهر في الأحلام على سبيل المثال كدلالة أيضاً على الانعتاق والتحرُّر، وبشكل خاصّ عندما تكون الرحلة التي يختبرها الشخص في الحلم أو تلك التي يعبَّر عنها بقصّة شعبيّة أو دينية رحلة شخصٍ منفرد أو متوحِّد؛ فهذه الرّحلة هي رمزٌ مهمّ للتعالي transcendence وتجاوز الذات للحصول على اختبار يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في حياة الفرد أو المجتمع.[20]  فالموضوع الرئيسي (الثيمة) الذي يسري عبر القصّة هو المهمّ وليس التفاصيل الدقيقة التي قد تكون موضوعة لإضفاء بعض المعاني الجانبية كالبطولة والقوة.

            ويتّفق فريدريك ديليستون في اعتبار القصة الأسطوريّة تشبيهاً أو أمثولة لا ينبغي الغرق في تفاصيلها، فالقصّة تركبت في الأساس كرمزٍ يخاطب الحاجة البشرية في كل زمان ومكان، ولتكون قاعدة يمكن البناء عليها دائماً،[21] وهو يشرح هذا الأمر كما يلي:

…أساطير عصر معيَّن لا يجب أن تعتبر عناصر تنظيمية بشكل كامل للصِّيغ الفكرية لعصر آخر…فالأساطير التي تخبر عن أصل الكون، ونشوء الإنسان وصراعاته مع قوى الطبيعة ومع ذاته، وعن إنجازاته وسَقَطاته، وعن علاقاته مع قوى الخير والشر، ومواقفه تجاه الموت ونهاية الأشياء، هذه الأساطير تمتلك ملامح مشتركة مهما كانت منطقة نشوئها في العالم وزمنها…ولكن إن أصبحت الأسطورة متبلورة في صيغة نهائية…فإنّ فائدتها كرابط مع الفترات الزمنية الأخرى تميل فوراً إلى الاختفاء.[22]

            وربما يمكن القول بناء على هذا أنّ في رواية تكوين إسرائيل تكتسب قصص الخروج من مصر والدخول عبر نهر الأردن إلى كنعان معانٍ رمزية بالغة العمق في النفس الإنسانية للفرد وأيضاً في الذاكرة اللاواعية الجمعية للمجتمع الإسرائيلي اللاحق، ومثل هذه القصص تخاطب الخبرة البشرية الفردية والجماعية في كلّ أنحاء العالم بشكلٍ عابر للثقافات.  وأمّا التفاصيل الأخرى المتعلّقة بالحروب والدّقائق الناموسية فهي تخدم معانٍ جانبية أقلّ مخاطبةً للوعي واللاوعي الإنسانيّين في كل الأزمنة والأماكن، وتخدم زمنها فقط بشكلها الحرفي، وتُفيد الخبرة البشريّة في كلّ زمان ومكان بروحها ورمزيّتها.

            وهكذا تكون إسرائيل، بناء على الأدلّة الأثرية المتوفّرة، ودراسة الرّموز الأسطورية العالمية، هي ذلك الخليط من الكنعانيين الرّيفيين وآخرين من ساكني مناطق الهضاب، وربّما بعض العبيد الخارجين من مصر، الذي وجد لنفسه هويّة جديدة انتقل بها نحو اختبار جديد لنفسه وللوجود ولله، بقيادة نخبة كهنوتية معيّنة.  هذا الاختبار الانتقالي الجذريّ تمّ التعبير عنه بعدّة طريق منها ارتحال ابراهيم ومنها الخروج من مصر عبر انشقاق البحر الأحمر، وأيضاً عن طريق  تصوير الشعب وهو يعبر نهر الأردن بشكل عجائبيّ بقيادة يشوع بن نون.

خاتمة واستنتاج

            تعرّض هذا البحث بشكلٍ مختصر لبعض التساؤلات، المنطقية والعلمية المبنيّة على علم الآثار، المتعلّقة بتاريخ إسرائيل وكنعان.  والتساؤلات المنطقيّة هي التي تربط في البداية بين إسرائيل وكنعان، نتيجة أدلّة كتابية على أنّ لغة كنعان هي اللغة المحكيّة والمكتوبة في إسرائيل، بالإضافة إلى ملامح خبرة إسرائيلية لا بأس بها بطبيعة البلاد وساكنيها.  وأمّا الدّليل الأثريّ فلا يوافق حرفيّة النصوص الكتابية التي تتحدّث عن غزو خارجيّ لأرض كنعان دمّر كثيراً من المناطق في منطقة الهضاب الكنعانية، بل يرجِّح حدوث انفصال ثقافيّ تدريجيّ بين المدن الكنعانية الغنية في المناطق السهلية، وتلك المناطق الريفية والنائية في مناطق الهضاب والنّقب.

            وإذ كانت القصص الكتابية المتعلّقة بالآباء والدخول إلى أرض كنعان وتأسيس إسرائيل في مرحلة مبكرة  غير مدعومة آثارياً، فإنّ مجالاً آخر في الدراسات العلمية يمنح أملاً في تفسيرها بطريقة أخرى؛ فالمدرسة اليونغية في التحليل النفسي تؤكِّد على أنّ قصص الارتحال وعبور المياه ليست صوراً وقصصاً غريبة عن تاريخ الأساطير القديمة والأحلام البشرية، بل هي تشكِّل نمطاً يدل دائماً على انتقال الفرد أو الجماعة من مرحلة اختبارية إلى مرحلة أخرى مختلفة في النوعية والمستوى.  وبناءً على هذا يمكن التفكير في قصة ارتحال ابراهيم ودخول أرض كنعان والخروج من مصر كقصص تعبِّر بشكلٍ لاواعٍ عن حقيقة ما حدث للمجتمع الإسرائيلي الذي اختبر انتقالاً عميقاً من التجربة الكنعانية الوثنية إلى التجربة الجديدة المتعلّقة بعبادة يهوه كإلهٍ واحد.

 

المُلحَق

 11111

الخريطة 1:  دول المدن الكنعانية- تحالف شكيم والتحالف الموالي لمصر.

 

1111

الخريطة 2:  مملكة إسرائيل الشمالية

[1]  فراس السواح، آرام دمشق وإسرائيل في التاريخ والتاريخ التوراتي، 43.
[2]  نفس المرجع السابق، 46.
[3]  نفس المرجع السابق، 96.
[4]  نفس المرجع السابق، 97-98.
[5]  نفس المرجع السابق، 98-99.
[6] Israel Finkelstein, The Forgotten Kingdom: The Archaeology and History of Northern Israel, 16.
[7] Ibid., 19.
[8]  انظر الخرائط في الملحق.
[9] Ibid., 20.
[10]  من أجل التواريخ الخروج المحتملة وتوسّع أكثر حول تأريخ فترة القضاة وتوسّع إسرائيل:  جاي بوول تانر،  دليل لفهم العهد القديم:  كيف يهيئنا العهد القديم لمجيء المسيح- الجزء الأول، 25: 2 وما يليها.
[11]  السواح، 74.
[12] Finkelstein, 22.
[13] Ibid., 32-33.
[14] Gloria London, “A Comparison of Two Contemporaneous Lifestyles of the Late Second Millennium B. C.,” 

    Bulletin of the American Schools of Oriental Research, No. 273 (Feb., 1989), 38.
[15] Ibid., 41.
[16] Ibid., 50.
[17] Ibid., 51.
[18] Ibid.
[19] Marie-Louise Von Franz, “The Process of Individuation,”  Man and His Symbols, edited by Carl G. Jung, 198.
[20] Ibid., 153.
[21] F.  W.  Dillistone, Christianity and Symbolism, 159.
[22].Ibid., 158-59.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.