حديث قصير وأوّليّ في مصطلح “العلاقة الشخصية” مع الله


بقلم فادي أبو ديب

10805550_799156466793505_1479039695071777578_n

يبدو أنّ موضة العصر في القرن الأخير تقريباً في العالم المسيحي الشعبي هو الحديث عن “علاقة شخصية” مع الله بين الفرد المؤمن والله بحسب مفهومه.  ورغم جاذبية هذه الصّورة التعبيرية وبعض فوائدها التقويّة، إلّا أنّها لا تستطيع أن تخرج عن كونها علاقة مراهقة تفتقر للعمق الرّوحي والعقلي، وخاصة مع انتشار اللاهوت الشعبي الذي يصوّر الأمر كأنه علاقة حبّ حميمية بين طرفين.

مشكلة هذه الصورة لا تقتصر على كونها مأخوذة من نموذج شِعري يهوديّ ساذج فحسب، بل لأنّه يؤطّر الحياة الروحية في إطار ضيق يضمّ بين أطرافه صورة العلاقة الشخصية بين فردين من البشر.  وكما هو الحال في معظم الأحيان، فالعلاقة الحميمية بين فردين بشريّين تتسم بشكل رئيسي بالفكر المراهق والأنانيّة الشديدة وحبّ التملّك والنَّزَق والهَوَس بتفسير تصرّفات الآخر وحركاته، بالإضافة إلى المحاسَبية الاستعبادية على كثير من التصرّفات والسلوكيات.  

هذه السلبيات نراها أيضاً في الحياة الروحية حيث يظنّ الفرد المؤمن لوهلة بأنّه مسؤول عن تفسير تصرّفات إلهه وإعطائها تبريرات تعتمد على التخمين والموقف الدفاعي المؤسَّس على الرّغبة في معرفة الآخر معرفة واضحة.  هذه العلاقة المراهِقة جاهزة تماماً، كما هو الحال في عالم البشر، إلى التحوّل إلى عداء مستحكم ونقمة كبيرة عندما يصاب أحد الطرفين أو كلاهما بالتشويش وسوء الفهم.  أو ربما تأخذ هذه العلاقة شكل السيّد والخادم في مخيال الفرد، بحيث يستمرّ الخادم بطرق الباب من الصباح حتى المساء ليسمع جواباً في النهاية، وقد لا يسمع!  وطبعاً فالعلافة مع الله ليست هكذا، ولكنه ستقع فريسة لهذه التصوّرات عندما تأخذ الصورة الوهمية للعلاقة الشخصية.  اما صورة الآب والابن، وهي الصورة البديهية التي سيطرحها أحدهم، فهي أكثر هذه الصّور فشلاً، فالأب عادة لا يحجم عن الإجابة الفورية لابنه، سواء كان القبول أو الرفض هو محتوى الإجابة.  العلاقة الروحية ليست بوضوح ولا ببديهية ومفهومية هذه الصورة البشرية الأخيرة، بل فيها الكثير من التّرحال والغرابة وغيرها من الأطوار العجيبة التي لا تناسب صورة علاقة الأب بالابن.

إنّ الحياة الروحية هي مواجهة مع الوجود وما فوق الوجود.  وإذا كان الله ناراً آكلة كما تحبّ بعض التصويرات الدينية أن تصفه، فيمكن القول أنّ الحفاظ على مسافة منه يبقى أمراً محبّذاً وضرورياً، من أجل رؤية الصورة الأكبر بشكل أفضل.  الكون يسير بطريقة منظّمة، على الأقل كما يبدو من العالم الطبيعي، والإنسان ينبغي أن يقوم بدوره في هذا الوجود من دون انتظار تفسيرات.  يمكن للإنسان في بعض الأحيان أن يحدُس بعض الأسباب بطريقة عجيبة غير مفهومة، ولكن هذا لا يسمح له بأنّ يدّعي قُرباً من المعارف الممنوعة، إلّا في حالات خاصّة قد تكون متوفّرة لأولئك الذين يعيشون حياة روحية غير عادية بكلّ معنى الكلمة.  العلاقة الشخصية بصورتها البشرية تفترض حصريّة الشخص وكونه ملكاً لي بشكل ما.  ولا نستطيع أن ندّعي أنّ الإنسان سوف يتحرّر من هذه الصورة فقط لأنّه يقرّ لفظياً بأنّ الطرف الآخر- الذي هو الله- لا ينحصر بأحد.

في الكتاب المقدّس كثير من الصّور القصصية عن علاقة حميمة بين الشخص والله.  يجب الانتباه إلى أنّ كثير من هذه الصور مجرد تعبيرات أدبية تجسيدية على الأغلب، لتوضيح مدى القرب بين الشخص وإلهه.  هذا لا يعني وجود علاقة “شخصية”.  شخصنة العلاقة كما ذكرتُ أعلاه تُحيل فوراً إلى الطبيعة الهشّة والغامضة (والواضحة بما يزيد عن اللزوم أحياناً) للعلاقات البشرية- البشرية بكلّ ما فيها انكسارات وانشراخات وفجوات يتغاضى المرء عنها لسبب أو لآخر.

الروحانيّ يجب أن يعتنق الشجاعة في هذا الوجود، الغامض بكلّ ما فيه.  يجب أيضاً لا ينخدع بلحظات الإشراق الإدراكي التي ينالها، وكأنّه حصل على ما يريد، لأنّ لحظات السواد والشّواش القادمة ستصدمه لا محالة، وقد يكون ضررها ضرراً لا يمكن السيطرة على نتائجه.  الموقف المتواضع يشترط شيئاً من اللاأدرية من الحكم على الأمور، لأننا نقف أمام ماكينة وراء-كونية هائلة لا يمكن حتى تصوّر أيّ شيء عنها.

العلاقة الروحية مع هذا المجهول- الآب الذي هو مصدر كل شيء هي علاقة تماهي حدسيّ، مهما كان جمالها وإغراؤها لا يجب أن يُطلق عليها “علاقة شخصية” لأنّ هذا تصوّر مراهق وساذج كان يجب أن يبقى مع التصوّرات الدينية البدائية التي انتهت.  روعة تعاليم يسوع المسيح هو أنّه أكّد على أنّ المواجهة المتواضعة مع هذا المجهول (الآب) ستكون حتماً رابحة، ودعا إلى الثقة بها من دون أن يفسّرها أو يقدّم عنها كثيراً من الإيضاحات.  هي مواجهة تقود إلى حياة- حياة لا نعرف بعد لا طبيعتها ولا كنهها ولا الهدف منها، لأنّ كل هذه الأمور تفوق تصوّراتنا.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.