عن الغيبية الليبراليّة والتدخّل العسكريّ الروسيّ في سوريا


بقلم فادي أبو ديب

روسيا-قد-تزود-س

مَن يتحدّث اليوم في سوريا عن إمكانية موجودة أو كامنة لإقامة مجتمَع مَدَني علماني، وأن الأمر يحتاج فقط لبعض الإرادة والجهد والحوار، هو عارٌ على المثالية قبل أن يكون عاراً على الواقعية. درجة الوهم هذه درجة خطيرة وأخطر من الذي يعتقد بغيبيات عجيبة.  فالغيبيّ على الأقلّ يشحن نفسه بأملٍ بما هو غير مرئيّ، وهو لا يمكنه أن يكذّب هذا الأمل بشكل قاطع أصلاً، أمّا الموهوم فهو يكذّب المَرئيّ ويكذّب ما هو حاصل ويحصل ويكذّب التاريخ والموجودات والأحداث.

 

من ناحية أخرى فإنّ التدخّل العسكريّ الروسيّ في سوريا ليس حتمياً فقط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الهجمة الإسلامية الشّرسة، بل هو أيضاً حتميّ بسبب الدور التدميريّ على عدّة أصعدة الذي تلعبه أوروبا في سوريا وفي كلّ دولة ترغب في أن تكون دولة قويّة على قدر مهمّ من الاستقلالية.  يبدو أنّ مشاكل أوروبا مركّبة، وهي أبعد من مجرّد ألعاب مصالح، فمشكلة أوروبا (الغربية) فكرية عميقة.  أوروبا عندما تخلّصت من بعض خرافات الكنيسة تخلّصت أيضاً من شيء من المنطق والفهم لطبيعة الإنسان ولحركة التاريخ، واعتنقت خرافة لا تقلّ شرّاً عن بعض خرافات الدّين ومؤسّساته، وهي عقيدة “الإنسان الصّالح”- هذه العقيدة التي ظهرت بسبب الانخداع بنماذج بشرية تعمّق فيها الضّمير (بإيجابياته وحساسيّته للآخر وبسلبيّاته المتمثّلة بعقدة الذنب)، كانت الكنيسة التي يذمّونها هم قد عملت عليه طويلاً لألف وخمسمئة عام، فظنّوا أنّه شيء بديهي يأتي مع الإنسان بالفطرة.

وعلى كلّ حال فسنرى كيف ستتعامل أوروبا بعقيدتها الخرافية المنغرسة فيها بشكل واعٍ ولا واعٍ مع ثقافات مليونية لا تمّت لهذا الواقع المزعوم بصلة.  ولكن حتى الآن لا يبدو أنّ أوروبا الغربية قادرة على اتخاذ قرار حاسم حول موضوع الجهاد الإسلامي أو حتى راغبة حقّاً وجدّياً في ذلك.  ورغم بعض التصريحات والدّراسات الغربية حول خطر هذا الدين الجهاديّ الغريب (المنبثق من الإسلام)، إلّا أنّه يبدو بأنّ البنية الفكرية والتصوّرية للوجدان الجمعي الأوروبي الغربي (على عكس الأوروبي الشرقي والرّوسي) غير قادرة على اعتبار الأمر يشكّل خطراً جذرياً على أوروبا نفسها وعلى العالم، ربّما بسبب غيبوبة الخرافة الحداثية العقلانية التي تصرّ على اعتبار كلّ البشر سواسية، وهم ليسوا كذلك، ظاهراتياً على الأقل.  أوروبا عاجزة نفسياً عن مواجهة الجهاد الإسلاميّ لأنّها لا تمتلك البنية الفكرية والوجدانية للمواجهة حسب ما يبدو، فهي غارقة- من حيث مجتمعاتها- في الغيبية (وهي غير المثالية) والرّفاهية، وأمّا دولها فغارقة ه في الجشع وانعدام المسؤولية المستمدّة أصلاً من المزاج الشعبيّ. بالتالي فإنّ التدخّل الرّوسي ضروري وحتمي ولا غنى عنه في سوريا، لأنّ من دونه لن يتحرّك أحدٌ في العالم لردع هذه الآلاف المؤلّفة المدعومة من الملايين من حرق كلّ شيء وطمسه.

عندما نتحدّث عن إنقاذ المجتمعات من الاندثار تسقط الحدود الوطنيّة والقيم الغيبية التي كما أشرتُ أعلاه ليست أكثر من عارٍ على المثالية قبل أن تكون عاراً على الواقعية والواقع.  كلّ المجتمعات والدّول والأمم تستعين ببعضها البعض، ولا حاجة لضرب أمثلة من التاريخ القريب والبعيد من كلّ أنحاء العالم.  مهزلة المعارضات السورية المسلّحة والتكفيريّة التي طلبت التدخل الأمريكي والناتوي ليست في أنّها غير وطنية في الدرجة الأولى، فالحرب حرب، بل في أنّها مجاميع إسلامية- جهادية تكفّر فكرياً من تطلب هي المساعدة منه؛ فهي ليست حليفاً أو ندّاً لأحد بل تابعاً لا يتّفق لا في الأفكار ولا في المصالح مع من يريدون المساعدة منه.  هذه صفات المرتزقة والحمقى!

ومن ناحية أخرى فإنّ من يفكّر بشأن هذا العمل العسكريّ الرّوسيّ يجب أن يسأل نفسه سؤالين:

1- هل أنا قادر على أن أعيش سوريّتي وأتنقّل بين المدن إن انتصرت ثورة الجهاد الإسلامي في سوريا مع الكمّ الهائل من المستوطنين الجهاديّين في المدن والقرى السوريّة، الحاليين والذين سيأتون، ومع ثقافة الجهاد في كلّ مكان؟

2- هل أنا قادر على أن أعيش سوريّتي وأتنقّل بين المدن إن بقي هذا النظام الآن (وهو سيتغيّر حتماً كسيرورة تاريخية طبيعية) ومع وجود التحرّك العسكري الرّوسي الحالي؟

ما هو المجتمع الأقرب إلى روح سوريا الطبيعيّة? وما هو شكل المجتمع التي يضمن ولو جزءاً بسيطاً من هذا الشّكل؟  في عالم الأمم والمجتمعات والدّول المثالية هي أن يفكّر المرء بمستقبل المجتمع والأمّة والدولة للعقود القادمة على أقلّ تقدير.  لا حالات مثالية هنا، فالخيارات كلّها تحمل من السّلبية الشيء الكثير!  ليس أمام سوريا كثير من الخيارات؛ فكما قد ذكرتُ في بداية هذا المقال، الخيار العلماني والتحاوريّ الجامع غير ممكن ومستحيل بسبب الانقسامات الثقافية والفكرية العميقة، وخاصة بعد هذه الحرب الأهلية الطاحنة.

الغيبيّ الليبرالي يجب أن يسأل نفسه الآن:  ما الذي يمكن أن يكون حلّاً عاجلاً لإنقاذ ما تبقّى من سوريا.  لا نتحدّث هنا عن عملٍ فكريّ وتعليميّ يحتاج إلى عقود، ولكن عن أمرٍ طارئ ينقذ البلاد أو ما تبقّى منها!  لكي نبدأ خطّة تنويريّة تحتاج عقوداً يجب أن يكون هناك نوعٌ من حلّ طارئ لا يستغرق عقوداً يمكّننا من الوقوف على الأقلّ!

للأسف فإنّ الغيبية الليبرالية لشعوب ودول أوروبا الغربية (ومن يتبعها في سوريا وفي كل أنحاء العالم) لها يد في حماية الخطر الجهاديّ وفي السكوت عنه، بنسب متفاوتة؛ فالحرب العالمية التي بدأت منذ أيام يحمل وزرها ثلاثة: الجهاد الإسلامي الذي ما زال يعيش منذ خمسة عشر قرناً في وجدانه اللاواعي حالة البدوي الذي يعادي الدّنيا خوفاً من غزو مفتَرَض، والدّول الكبرى الجشعة المجرمة التي لا ترتوي ولا تشبع، ونقيضها الذي هو الحركات الليبرالية ومنظّمات حقوق الإنسان (النسخة التجارية) التي بلغت من التطرّف حدّ أنّها لا تميّز الألوان ولا تقرأ الخطر وتعيش على خرافة الحداثة الميتة “الإنسان الصالح فطرياً” والعقل الواحد الذي يمتلكه الجميع.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.