رسالة ثالثة إلى جان جاك روسو


بقلم فادي أبو ديب

Rousseau

عزيزي جان جاك، منذ زمن بعيد لم أرسل لك رسائلي السخيفة وأفكاري المبعثرة حين يتعلّق الأمر بالحضارة الإنسانية. ولكنني أودّ أن أخبرك اليوم بأنّ أكبر وأهمّ النقاشات اليومية في العالم المتحضّرالذي ظننتَ أنّك تبنيه تتألّف-لأسباب كثيرة- مما يلي:

هل يجب منع لحم الخنزير أم لا في المطاعم الأوروبية.

هل يجب نشر المأكولات الحلال أم لا في المطاعم الأوروبية.

هل دعم قاطعي الرؤوس ومغتصبي النساء بالكلام حرية تعبير أم عمل إرهابي؟

هل يجب على المثليين جنسياً أن يمارسوا الجنس علناً أم لا.

هل يحقّ للمثليين أن يتبنّوا طفلاً ويقتلوا طفولته أم لا.

ماذا عن حق المرأة في تعرية صدرها في الشارع؟

 هل الحبّ أمر مقدّس أم أنّه مجرَّد هرمونات موجودة لإجبارنا على التكاثر؟

 هل قتل الأطفال في أرحام أمهاتهم هو قتل فعلاً؟

 هل الجنين إنسان أم لا؟

هل يحقّ للإنسان أن يجزم بشأن هويته الجنسية بناء على تركيبه البيولوجيّ أم ينتظر أن يمارس الجنس مع الجنسين فيرى أين يستمتع أكثر؟

هل الذكر ذكر؟

هل الأنثى أنثى؟

هل الشتيمة مشمولة ضمن انتهاك حقوق الإنسان أم لا؟

من ناحية أخرى، لقد تحدّثتَ عن الأصل الصالح للإنسان، وعن الحالة المثالية التي تواجدت في الماضي الغابر.  أنا متأسّف جداً لأنّ هذه الصورة لا يمكن بعد الآن أن تنطلي عليّ، أنا ساكن شرق المتوسّط.  نعم، ما زال لدينا بعض تلك المجموعات البشرية الأقرب للبدائية و”البراءة” المتفلّتة من قوانين الدّول والحدود بين الدّول.  هل أنت متأكد من أنّ نموذجك الإنساني يمكن له أن ينتج-عملياً- كائنات مختلفة كثيراً عن “البدو” وغيرهم من الرحّل ووحوش الغابات؟

أخشى أنّ الصورة الجميلة للماضي الإغريقي الذهبيّ ليس إلّا تفكيراً رغبوياً يتمنّى حالة مستقبلية طوباوية، فيقوم بإسقاطها على الماضي.  بحقّ الله الجميل الذي تؤمن به يا ابن جنيف الحالمة، هل عشت يوماً في وسط أناسٍ لا يأبهون للعلوم والفنون لكي تحكم بأنّ هذه المنجزات العظيمة تدمّر البشر؟  وهل فساد حكّام باريس وطبقتها المخملية وتفاهة الباريسيات وانشغال رجالها بمقاسات أفخاذ نسائها- هل كلّ هذا الفساد من نتاج انتشار العلوم، أم نتيجة اتخاذها شكلاً ميكانيكياً لا يأبه للفضيلة التي دعوتَ إليها؟  يا عزيزي الفاضل،  نحن نعرف جيداً ما الذي يعنيه ابتعاد مجتمع عن روح العلوم والفنون، ونعرف جيداً قرب الإنسان إلى الحالة الطبيعية التي تفترض أنّها موجودة في زمن ما قبل القوانين.  أين كان زمن اللاقوانين هذا؟  قبل أن يتعلّم سكان الغابات أن يقدّموا الضحايا البشرية؟  قبل أن يقدّموا الصبايا الجميلات محرقات للآلهة؟  قبل أن يقتلوا الرضَّع؟  أين كان هذا الزمن؟  أين كُتِب عنه إلّا في قصائد بعض الشّعراء التي تتغنّى بالآمال ولا تُعنى بالتاريخ.

 البراءة يا صديقي العزيز لا تتحقّق إلّا بالوصول إلى قمّة التهذيب الفكري ثم نبذ كثير من دوغمائياته.  العودة/الانتقال إلى حالة البراءة لا يمكن أن تحصل إلّا بعبور حالة الأوج.  أؤمن بأنّنا نتحرّك نحوها ولم نكن يوماً ما فيها.

 

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.