“لماذا أكتب؟”: هذا السّؤال التقليديّ الضروريّ


بقلم فادي أبو ديب

blue-night-please-enable-javascript-to-view-the-comments-powered-by-disqus-172003

لعلّه لم يمرّ كاتبٌ ذو انخراطٍ حقيقيّ في الكتابة إلّا وسأل نفسه “لماذا أكتب؟” وأهرق الكثير من الحبر والوقت في معالجة هذا السؤال.  وأجد نفسي خجِلاً بعض الشيء في معالجة هذا السؤال في كوكب يعجّ بعمالة فِكر وصلوا إلى ما وصلوا إليه من المراحل التي ربّما فرضت عليهم أن يطرحوا هذا التساؤل.

مع ذلك، وفي بداية مشواري (هذا من الناحية التقليدية، فلا أعرف كم سأعيش لكي أفصل بين البداية والنهاية!) أطرح هذا السؤال، بعدما كتبتُ خلال فترة قصيرة من حيث الظاهر كتابين اثنين مطبوعين وكتاباً إلكترونياً سبقهما.  أقول “من حيث الظاهر” لأنّ هذين الكتابين وسابقهما ليسا إلّا نتاج مرحلة تخزين وكمون طويلة، بدأت نظرياً منذ يومي الأول وفعلياً في السنوات العشرة الأخيرة من الكدّ والتّعب والصّراعات الجوّانية المتتالية التي لم تنتهِ ولن تفعل بطبيعة الحال.

السؤال الذي بدأ يهاجمني بشكل خاص بعد كتابة كتابي الثاني هو “وما الذي يعنيه هذا؟”.  وهذا السؤال ضروريّ على عدّة أصعدة:  أولاً، على صعيد التساؤل حول جدوى أي فعل في عالم يكتظّ بملايين العوامل التي تؤثّر فيه في كلّ لحظة، وهذا بشكل عام أي من دون تخصيص عالم اليوم العشوائيّ العناصر والمتضارب والمتهافت والمتقدّم…إلى المجهول أو الفضاء أو الجحيم!  ثانياً، على صعيد حسم نظرتي إلى الشّهرة، ولو أنني ذقتُ بعضاً منها وأنا ما زلتُ مغموراً بعد بالمقاييس المتعارَف عليها؛ ففي عالمنا المعاصر الشّهرة سهلة جداً ولم تعد تدلّ على شيء أبداً (هذا إذا كانت تدلّ يوماً ما على قيمة عُليا!).  وأما ثالثاً، فالتساؤل ضروريّ على صعيد التساؤل حول ما أريده فعلاً من كلّ ما أفعل.

بدايةً لا أنكر أنّ جزءاً مني يريد أن يكون له نصيبٌ من الشهرة.  من العبثيّ إنكار هذا، لا بل قد يكون الإنكار علامةً على جهل الذات في أفضل الأحوال او على الكذب في أسوئها.  لكن الحقائق الواقعية التي أراها أمامي والتي تملأ أيضاً صفحات التاريخ تجعلني أنبذ (عقلانياً، ومرّاتٍ يكون هذا النبذ مشاعرياً وقلبياً) هذا التوجّه ليصير بنداً ثانوياً من قائمة بنود غرض الكتابة.  دعوني أقول، هو أمر لا بدّ منه من الناحية اللوجستية لن يريد أن يقوم بأي فعلٍ على نطاق واسع، ولكنه بات في الحقيقة مخيفاً.  مخيفٌ لأنني أرى العشوائية والتكالب والسّطحية وعالم العلاقات العامة في كلّ المجالات بلا استثناء، وكمية الزّيف التي تتولّد جرّاء هذا:  عالمٌ كاملّ من الكذب والاختلاق والتزوير والشرور المرتبطة بها.  الأمر بدأ حتى يجعلني أتشكّك بكثير من المديح الذي يُوجَّه إلى بعض ممّا أفعل:  لعلّ هذا المديح ردّة فعل أوتوماتيكية تجاه أيّ شخص يمارس فعلاً على قدر من اللباقة والذكاء في عالم الكتابة والنشر والتواصل الاجتماعي؟  لعلّه عادة مثل كثير من العوائد التي لا يمكن إيقافها ولا تعني شيئاً؟  يمكنني أن أستمرّ طويلاً في سرد كلّ عمليات الاستبطان التي أقوم بها والتي تستدعيني رغماً عن إرادتي فيما يخصّ الكتابة والنشر وكل ما يحيط بهما.

من ناحية أخرى، وكما دوّنت في مقدّمة كتابي الثاني الصادر قريباً، فإنّه يمكن أن أقول وأنا مطمئن أنني أمتلك في هذا الوقت هدفاً مما أفعل، ألا وهو:  تبديل وعيي أنا أولاً بوعيّ آخر أكثر كونية وأكثر ارتفاعاً عن تفصيلات الحياة اليومية.  الأمر ليس ترفاً، بل ضرورة حياتية بالنسبة إليّ شخصياً.  هذا يشكّل ضرورة وجودية وروحانية لم يعد بإمكاني التهاون بشأنها مطلقاً.  والهدف الآخر هو إحراز هذا الهدف عند بعض الآخرين الذين يشاطرونني هذا الاهتمام ويجعلونني أكثر ثقةً بحقيقيّة ما أفعل وبفاعليّة وكيانيّة التبصّرات التي أجنيها من عالم التصوّر والفكر والحدس.  وكما دوّنت في مكان من مقدّمة الكتاب المذكور:

“بعد أعوام سأكون مطمئناً إلى أنني كوّنت جغرافيا معقّدة وتفصيلية لمن يريد أن يسكنها، وستكون نصوصي القصيرة مجتمعةً روايةً واحدةً طويلة، فيها آلاف المشاهد والحوارات. ستكون هذه الجغرافيا الجديدة صومعةً كوكبية ضخمة المساحة لمن يريد أن يتوحّد ويعتزل بحثاً عن الحقيقة التي تمتلكني/ تمتلكهـ/ا.”

إذا استطعت الوصول إلى هذا المكان، إلى هذه الجغرافية الذهنية المليئة بالسلام وقدر من الكفاية وعدم الشّعور بالفقدان، فلربّما سأكون قادراً على نبذ مطلب الشهرة تماماً وسأكون قادراً على الشعور بالاكتفاء الكليّ والتوحّد مع الوجود الأسمى الذي سيجعلني من دون شكّ لا أقيم أي وزن للعدم الذي يدفعني ويدفعنا إلى البحث عن الأضواء.  أو لربّما يمكن لهذا الوعي الجديد أن يجعلني أشعر بأنني جزء من أبوّة/أمومة كونية لكل الموجودات تغدو المعرفة وقتها حدثاً لا يستحقّ الاحتفال ولا يولّد أي شعورٍ بالعَظَمة المزيّفة، بل فقط مشاعر بإنجاز المهمّة.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.