“الحريّة” كمصطلحٍ خاوٍ


بقلم فادي أبو ديب

ما بعد الحداثة متناقضة، ولا أظنّ في هذا إساءة لها، فهي لا تدّعي الانسجام (والانسجام مفهوم تقليديّ كلاسيكيّ). مع ذلك، كون ما بعد الحداثة ظاهرة تعبّر عن نفسها أيضاً بالكتابة يجب عليها أن تمتلك حدّاً أدنى من الانسجام الكفيل بجعل مفاهيمها تكوّن أرضية مشتركة عند مستقبليها، حتى لو كانت هذه الأرضية المشتركة هي مجرّد التوافق على عدم وجود أرضية مشتركة! وإلا لماذا يكتبون ولماذا نقرأ، إذا كانت لا توجد أيّ أرضية موحّدة لحد أدنى من الفهم المتبادل inter-subjective؟
ولأنّها متناقضة فقد أخذت ما بعد الحداثة على عاتقها تفريغ المصطلحات من معانٍ موضوعية موحّدة؛ فالجمال والخير والحقّ (وهي القيم الكلاسيكية) باتت موضوعات تتنازعها “حرّيّات” الأفراد. وبهذه الطريقة ظهرت “الحريّة” كمفهوم مطلق غير نسبي (حتى لو كان التعبير عنها مختلف باختلاف الجهة). المفهوم نفسه أصبح مطلقاً وصار يستوجب المديح: “فلان يطلب الحريّة…طوبى له!” وكأنّ الحريّة مفهوم محدّد مسبقاً كالحقّ والخير والجمال عند الكلاسيكيين.
“الحرية” هي الأخرى مفهوم فارغ الدلالة معجمياً من الناحية الموضوعية، أو هي مفهوم سلبي كما يعبّر عن ذلك فلسفياً ينتظر محتوى إيجابيّ (إيجابي لا يعني أنّه خيّر أو لا، بل يعني أنّه يقدّم هوية موضوعية ملموسة لا تقوم على مجرّد النفي). فالحرية هي “حرية من” و”حرية لـِ”. هكذا يبدأ الكلام الفعليّ عن الحرية، وقبل مستوى إضافة حرفي الجرّ هذين لا يكون الكلام عن الحريّة إلّا تلاعباً دلالياً لا هوية موضوعية له، كاستعمال مصطلح “الإيمان”. فالإيمان يكون “بـِ”، ولا يوجد “إيمان” يستوجب المديح أو الذمّ من دون حرف الجرّ، بل يبقى فكرة مثالية لا تحقيق لها ولا يمكن إطلاق أيّ حكم عليها ولا يمكن التعامل معها إلّا كوحدة دلالية تنتظر إضافة.

“الحريّة” من دون حرف الجرّ حالة إغماء معنوي، فلا هي خيال ولا هي منام ولا هي حتّى حلم يقظة جميل أو بشع. هي لفظة مؤلفة من أربعة حروف، تأتي ببعض الاستشباحات إلى الذّهن من دون أيّ معنى مرافق. الشعور الجيّد الذي قد يأتيك عند لفظ الكلمة يتولّد من إضافة لا واعية لحرف جرّ وشبه انطباع لما يليه. أقول “شبه”، لأنّ الانطباع صورة حدسيّة فيها شيء من الوضوح، على الأقل على مستوى الحُكم. ولذلك، فالحديث الواعي عن الحريّة ينبغي أن يشتمل على إمكانية إضافة ما بعد حرف الجرّ بشكل واضح و’مقروء‘ ويكوّن ’جملة مفيدة‘.

الإعلانات

4 thoughts on ““الحريّة” كمصطلحٍ خاوٍ

  1. مقال جميل لكنه مركّز دون شرح مفصل أكثر. احتاج ان تقعّد مفاهيمك لمتابعتك. هل لديك كتب؟ وهل تفسير الاخرين للحرية دون حروف جرّ مفاهيمية لاني اعرف انك لا تقصد النحو كلام لامعنى له بالمصطلحات الوضعية النقدية؟.. عليك ان توضح ارضيتك بالنسبة لي ايضا لا تابعك ويتابعك من يستفيد من هذه المقالات الثرية. على اية حال يسرني ان اسألك بعض الاسئلة الفلسفية في حال سمح وقتك الثمين.

    1. نعم هو مقال مركّز لأنّه في الأساس منشور على الفيسبوك. سأكون سعيداً بأسئلتك بكل تأكيد.
      من ناحية أخرى، نعم أنا لا أقصد حروف الجر من الناحية النحوية بل من ناحية مفاهيمية؛ فحرف الجر يضع القارئ في حالة استشراف لما سيأتي بعده.
      لديّ ديوانين شعريين مطبوعين حتى الآن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.