الوعظ الدينيّ عندما يصبح بديلاً عن الحياة


بقلم فادي أبو ديب

لا يوجد أي مذهب فكري أو روحي بقي على ما هو عليه. هذه بديهية سيوافق عليها معظم الناس. ولكن السبب غالباً ما يُعزى إلى أمور أخرى.

السبب الرئيسي كما أرى هو أنّ المذاهب نشأت عند أناس خبروا الحياة جيداً، فبعضهم كتب وبعضهم لم يكتب، وبعضهم أسس بنياناً أخلاقياً وبعضهم بنياناً شاعرياً وآخر بنياناً سياسياً…إلخ

المشترك اليوم بين معظم أتباع جميع المذاهب أنّهم أناس لم يختبروا ولا يريدون أن يختبروا الحياة كما هي، بل على “ذوقهم” الذي يسمونه “مشيئة الله” (أؤمن بالعناية الإلهية بشكل يختلف جذرياً عما يعبّر عنه عادة بمشيئة الله). هذا حقهم طبعاً. لكن البشع في الموضوع أنّ هذا الانسحاب من الحياة يولّد رغبة في التنظير حول أشياء لا يعرفونها. وكأنّ التناسب الطردي: هناك رغبة جامحة في التنظير عن أمر كلما ازداد المرء جهلاً به ونأياً عن اختباره. مثال على ذلك أننا نجد مثلاً شباباً وشابّات بالكاد وصلوا العشرين من العمر ويتحدثون مثلاً عن “الزهد” أو “مجابهة العالم” أو “محاربة التدخين” أو “العفاف الجنسي”. هذه القيم في حد ذاتها عميقة وذات دلالات سامية للغاية. ولكن انظروا من يدعو إليها: أشخاص لم يروا شيئاً من العالم لكي يجابهوه أو يعرفوا ما هو أصلاً، ولم يدركوا بعد أعماق الإنسان ورغباته وتحولاتها وتجلّياتها، ولم يعرفوا ما يجب معرفته عن المركّبات النفسية ودور التربية واللاوعي، والضرورات الحاكمة لتطوّر الاختبار البشري واختلافاتها من فرد إلى آخر إلى حد قد يكون كبيراً جداً في بعض الحالات.

الأداة المفسدة هنا- واسمحوا لي بها أو لا تسمحوا- هي النظرة إلى النص الديني على أنّه نصّ معرفي، وهو ليس كذلك. النص الديني مادة خام، ولا يتحول إلى نصّ معرفي إلا إذا اختلط بالحياة والخبرة والاختبار والنظرة العميقة والدراسة الموسّعة والشجاعة والصراع والتقلّبات ورؤية الأضداد بأوضح مشاهدها. وهذه الأمور لا تتوافر عند المراهقين طبعاً، وخصوصاً للذين يتدرّبون منذ الطفولة ضمن تيارات دينية. هم الأكثر عزلة عن العيش ليتمكّنوا من التنظير والوعظ. اللغة في حد ذاتها لا تصبح ذات معنى إن لم تجد صفحات لها مكاناً على صفحات الحياة بكل غرائبها وشذوذاتها التي تشكّل القاعدة (يا للسخرية!). وحتى الوحي- مهما كانت فكرتنا عنه- لا يصبح ذا قيمة إلّا أعطى رسالة مفيدة للحياة بحيث تسمو بالإنسان ولا تسمو بأيّ “قيمة” معينة نفترضها رئيسية أو ثانوية.

التعلّق بالنصّ أو بالوحي أو بالوصايا…إلخ في حد ذاته تعلّق بأسطورة “السبت” الذي لم يُخلق لأجل الإنسان. هي وثنية جديدة بشكل غير تجسيميّ. إذا كان السبت لأجل الإنسان فهذا يعني أنّ الوصيّة هي لأجل الإنسان، أي أنّ الوحي لأجل الإنسان، أيّ أن الشريعة والعهود والمواثيق والتفسيرات والتأويلات والمذاهب والتيارات والأجسام الدينية والروحية، الكبرى والصغرى، هي لأجل الإنسان- الإنسان الذي يصير أفضل إذ يُحِبّ ويُحَبّ.

وهنا لا يمكن لمنظّر أن يأتي فيقول “وما أدراك أنّ هذا حبّ حقيقيّ؟” أو “ما هو الحبّ إذا كان بعيداً عن الوصيّة؟”

هذه الأسئلة تشير أيضاً إلى وثنية فرّيسية بشكل جديد. الحبّ يُعرَف حين يصير الإنسان أوسع وأكثر لطفاً وتعاطفاً ورحمة. والوصيّة أتت لأجل هذا الأمر، فلا ضير إن أنكرت نفسها بعد ذلك وابتعدت هي كلياً أو إلى حين بعد أن تؤدّي مهمتها. فليست الوصية هي الغاية بل هي الأداة.

 

وللحديث بقية

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.