الفرّيسيّ والعشّار ومفهوم القانون/الدولة


بقلم فادي أبو ديب

من دون أكرّر ملاحظاتي حول مبادئ التفسير التي ذكرتها في مقالتي “لوقا 17: إشراق جوّانيّ أم مجيء المسيح ثانية؟” سأتناول مثل المسيح حول الفرّيسيّ والعشّار في لوقا 18.  ولكن قبل أن أشرع في ذلك أودّ أن أضيف ملاحظة بخصوص إصراري على استخراج مبادئ أو مفاهيم معيّنة من نصّ معيّن من دون أن أقوم بدراسة كبرى حول هذا المفهوم في كامل النصوص.  إصراري هذا ينطلق من واقع اعتباري أنّ المسيح قدّم مفاهيم كاملة خلال وعظه، وأنّ كلّ مثل قدّمه كان يحيط بالفكرة المقدّمة بشكل كافٍ، فالمسيح لم يُدِر مدرسة أفلاطونية أو أكاديمية أرسطية ولم يقدّم محاضرات دراسية متسلسلة في مكتبة الإسكندرية، بل قدم أمثال وعظات كان القصد منها-كما أفترض ويفترض الكثيرون- تغيير مفاهيم الناس ومنظوراتهم للحياة والوجود والله والدين والممارسة الروحية.  وإذا افترضنا هذا، فأنّ شخصاً حضر عظة المسيح التي اشتملت على مثل “الفرّيسيّ والعشّار” ثم مضى، يجب أن يكون قد استفاد من هذا المثل بحيث يحصل على مفهوم كامل عن الغفران والتبرير الإلهيّ.  ولا يمكن ولا يجوز أن نزعم أنّه كان يتوجّب على هذا الشخص أن يعود فيقرأ كل رسائل بولس مثلاً ليحصل على ما كان يجب أن يؤثر في حياته ويغيّر مفاهيمه بعد سماع العظة.  صحيحٌ أنّ الدراسة والتبحّر والشروحات يمكن أن تزيد تعمّق الشخص في مفهوم ما، ولكن هذا لا يعني أنّ الشروحات اللاحقة جزء أساسيّ من المفهوم.  وإلا لصارت كل عظات المسيح بلا فائدة اليوم، ولم تكن مفيدة إلا لمن بنى عليها شروحات معينة (هذا إذا افترضنا الفهم الكامل والكليّ لجوهر الرسالة المشروحة).

بمعنى آخر:  لو كان أحدنا يسمع مثل “الفريسيّ والعشّار” من فم المسيح مباشرة، ما الذي كان سيفهمه حينها؟

يقول المثل:

“وقال لقوم واثقين بأنفسهم أنهم أبرار ويحتقرون الآخرين هذا المثل. إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصليا واحد فريسي والآخر عشار. أما الفريسي فوقف يصلي في نفسه هكذا اللهم أنا أشكرك أني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار. أصوم مرتين في الأسبوع واعشر كل ما اقتنيه. وأما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء بل قرع على صدره قائلًا اللهم ارحمني أنا الخاطئ. أقول لكم أن هذا نزل إلى بيته مبررًا دون ذاك لأن كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع.”

 

المثل قصير وواضح من حيث العرض والنتيجة.  إنسانان صعدا ليصلّيا، أحدهما شكر الله على كونه يمتاز بكذا وكذا والآخر اعترف بخطيئته (مهما كانت.  هذه ليس مسألتنا الآن) فنال التبرير أو الغفران. (وأنا هنا أقصد أن أساوي الغفران بالتبرير، فلا يوجد ما يشير إلى أنّهما شيئنان مختلفان في هذا النص وبالنسبة للسامع، خاصة أن التبرير جاء نتيجة لطلب الرحمة الذي يحقّ لنا أن نفترض هنا أنه مساوٍ لطلب الغفران).

واضح أيضاً بمقارنة هذا المشهد بالمشهد المعاصر أنّ الفرّيسيّ شخص متديّن على قدر من الورع والالتزام “يشكر” الله على أنه ليس كباقي الناس الخاطفين والزناة…إلخ.  وبما أنّه يشكر الله فهو يعتبر ضمنياً أنّ تقواه نتيجة هبة إلهية يجب أن يُشكَر الله عليها.  بمعنى آخر:  الفرّيسيّ لا يفتخر حقاً بأفعاله كما يفهم الكثيرون هذا النص!  الفرّيسيّ يشكر الله إذن على هباته، ربما يشكره على الشريعة الإلهية التي اختصّ الله شعبه بها كما يظنّ وعلى هبته التي أنارت قلبه فدفعت به إلى أحضان الحياة الروحية.  إنه يشكر الله أنه أختاره ليكون مؤمناً يعرف الله ويعرف مشيئته فيصوم ويعشّر مقتنياته بدافع من هذه الاستنارة الإلهية.

مع ذلك، ورغم كونه شكوراً، يجزم المسيح بصورة قاطعة أنّه لم ينل المغفرة والتبرير!

وبالمقارنة مع ذلك، وقف العشّار من بعيد وهو يعترف بخطيئته متضعاً فنال التبرير.  لم يعد العشّار الله بأن يغيّر حياته، ولم يقدّم ضمانات أنه لن يكون كذلك في المستقبل.  لم يسبّح الله، لم يشكر الله، بل فقط قدم اعترافاً عن حاله.  أو نستطيع أن نقول أنّه “عرف نفسه” وموقعها، مطبقاً من غير قصد الوصية الحِكَمية القديمة التي نحتها مجهول على عتبة معبد دلفي:  “أيّها الإنسان، اعرف نفسك!”.

وهكذا نال العشّار التبرير، بوقفته تلك التي عرف فيها نفسه من دون زيادة أو نقصان.  لقد وضع نفسه في مكانها الواقعيّ فارتفع، في حين أنّ الفريسيّ لم يعرف نفسه، بل التقت إلى ما هو خارج نفسه، فلم ينل الغفران.  ويمكننا هنا أن نسأل سؤالاً طريفاً:  هل علم كلّ من الفرّيسيّ والعشّار بنتيجة صلاتهما، أم أنّ الفرّيسيّ عاد إلى بيته مسروراً وعاد العشّار مكدّراً يكده العرق؟  القصة بالتأكيد عبارة عن مثل، أي قصة غير تاريخية، ولكن المغزى من السؤال هو أن نفصل أيضاً بين حقائق العالم الروحيّ وعادات وشرائع الدين البشريّ الذي يبرمج حتى افتراضات المتديّن ومشاعره.

ونعود إلى القضية الأساسية التي ابتدأنا بهذا هذا المقال:  ما الذي نفهمه لو كانت لنا فرصة الإصغاء إلى المسيح في هذا المثل فقط عن الغفران والتبرير؟  هذا كنا سنستنتج أنّ التبرير هنا يعني “نوال برّ المسيح وصلاحه” ومحو عقوبة الخطيئة الأصلية أو غض بصر الله عن فسادنا الموروث؟  هل كنا سنفهم أنّ العشّار تاب وآمن بما يجعله مبرّر “قضائياً” أمام الله وأنّ الله غفر له بناءً على ذبيحة المسيح على الصليب؟  هل يمكن أن نفترض أنّ الغفران للعشّار تمّ على أساس ذبيحة المسيح البدلية/الكفّارية؟  لا أتصوّر ذلك، وإذا كان الأمر كذلك، فالسلام على اللغة وعلى المنطق وعلى الحدس وعلى القراءة وعلى كلّ آليات الفهم والتمحيص والاستنتاج!

أصل هنا إلى موضوع مختلف قليلاً، ولكنني أجد أنّه ليس من الخطأ (وأنا لا أتقيّد هنا بوساوس الكتابة الأكاديمية) أن أتطرّق له في عجالة.  خطر لي أن أسأل:  كم يشبه الفرّيسيّ الشّكور بشريعته “العصماء” أمم العالم بقوانينها “الحديثة” التي تجلب الفخر والعزّة.  وإذا كان الفرّيسيّ الذي تدينه المسيحية منذ ألفي عام قد شكر إلهه، فإنّ أصحاب القوانين اليوم يظنّون أنّهم يسمون على غيرهم بما نظموه من شرائع وقوانين باتت أكثر تعقيداً وتحكّماً بحياة البشر ولغتهم وكتابتهم وممارساتهم أكثر من كل قوانين الفرّيسيين الـ613 التي كبّلت حياة يهود القرن الأول الميلادي وما سبقه ببضعة عقود أو قرون.  فبدل السبت المعطّل صار هناك سبوتٌ كثيرة تقيّد حرية الإنسان في التعبير عن النفس حتى في أكثر مجتمعات العالم تمدّناً، وبدل الحرف “الذي يقتل” صارت هنالك رجم عالية من الصفحات التي تحسب على الإنسان أنفاسه ونظراته وما يكتبه وما يلمّح إليه وما قد يُبطِن في إيماءاته وكلماته.  وبدل التقيّد بالشريعة وعقوباتها أصبح لدينا مفاهيم الـ political correctness بجنونها الحرفيّ ومعاداتها للحدس الإنساني والطبيعة.  ما الذي يختلف بين مفهوم الشرع المدني والشرع الديني من حيث التطبيق العملي ومن حيث نوع القراءة؟  القليل القليل!  فالشرع الدينيّ ورغم أنّه يدّعي الإطلاق يثبت بفتاويه الكثيرة والمتغيّرة والمتضادة والمتناقضة أنّه لا يخاف من أن يكون نسبياً (وأنّه مضطرّ في الواقع)، والشرع المدنيّ الذي يقرّ بأنّه نسبيّ لا يتورّع عن إشهار سيف إطلاقيته بتعنّته وحرفيّته وارتباطه بمصالح كثيرة ومتشابكة بعضها (كمصلحة المال واستمرار النفوذ) يدوم ما دامت الأرض ومن عليها.  أمّا الافتخار الفرّيسيّ بالاختيار الإلهي فلا أجد داعياً لمقارنته بمشاعر التفوّق الحضاريّ وما تجلبه من ممارسات وما تستولده من قوانين وشرائع أخرى تتكاثر وتتزايد وتتعقّد من دون منطق ولا شُبهة عقل!  ألا يمكن أيضاً توجيه نفس الأسئلة التي وجهّناها لمفهوم الشرع المدنيّ إلى الديانات، وخاصة المسيحية التي تفخر بأنّها تخلّصت من الشريعة وعاشت بالنعمة؟

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.