نعم، نحن العرب ليس لدينا وعيٌ للذات!


بقلم فادي أبو ديب

man-as-measure-of-all-things

سبّبت الحرب العالمية الثانية وقبلها الأولى صدمة عميقة في وجدان الفلسفة الأوروبية واللاهوت الأوروبي ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم. الحرب العالمية الأولى ومن بعدها صعود النازية وتمدد الفاشية أدّت إلى مراجعات جذرية في الفكر الأوروبي نعرف آثاره لكبيرة في اللاهوت والفلسفة على الأقل، سواء اعتبرنا تلك المراجعات إيجابية أم سلبية.

الحرب السورية دخلت عامها التاسع وأثرت بشكل مباشر على 10 مليون سوري قتيل وجريح ومصاب إصابة دائمة ونازح ومهاجر ولاجئ، لم نر حتى الآن أيّ دعوة كبرى لإعادة التفكير في أساسيات تفكيرنا في الدين والحياة، إذا استثنينا الخطاب الرسمي الفارغ الفضفاض عن وجود مواجهة التطرف وما شاكل ذلك. السوري المستثوَر (من استُثوِر استثواراً) ما زال يمجّد ثورته الربّانية المليئة بالأخطاء الفردية “فقط”، والسوريّ العاشق للقيادة ما زال يطبّل للحقّ الإلهي الذي تمتلكه القيادة التي تقع أيضاً ببعض الأخطاء الفردية عن طريق المصادفة.

الأحداث المصرية المتتالية منذ أواخر عام 2010 وبدايات عام 2011 بكل ما أنتجته من مصائب اقتصادية واجتماعية وبلد فيه 100 مليون آدم يتكاثرون بسرعة مهولة لم تؤدّ أيضاً إلى أيّ دعوة كبرى أيضاً على مستوى مؤسسات المجتمع للنظر الجذري في الحياة العامة وأسسها.

وقس على ذلك باقي الدول العربية.

وللأسف، فهذه نتيجة طبيعية في التجمّعات البشرية التي لم تكن جاهزة مؤسساتياً قبل الحروب (وهذا الغياب المؤسساتي المدنيّ هو أيضاً أساس قيام تلك الحروب بشكلها القبليّ الممزّق للبلاد)، وعاشت في بيئة تختلط بها الديكتاتورية المنظمة باللامبالاة على المستويين الحكومي والشعبي. والتغيير المأمول يفترض تمركز السّلطة في أماكن معروفة، فالجامعات على سبيل المثال تكون أحد أماكن تمركز السّلطة الفكرية والنقدية التي يمكن أن تتخذ دوماً زمام المبادرة في الأوقات العصيبة لتقديم خطاب مختلف أو لمناقشة الخطابات السابقة. وكذلك الصحافة الحرّة (بالحدود الأدنى المقبولة) هي مركز من مراكز التفكير والنقد، وإن كان ذلك في مستوى آخر أقلّ أكاديمية، الذي يقرأ المجتمع ويخاطبه بلغة أقرب إلى مستوى الإنسان العادي وليس على مستوى الخطاب التقنيّ المفتوح على فضاء أكثر اتساعاً كما يحصل في قاعات الدراسة الجامعية والبحث الفكري المستمرّ.

هذه المؤسسات التي تصون المجتمع من ناحية، وتمثّل تحوّل الجماعة البشرية من مجرّد تجمّع أو تجمّعات متكتّلة اعتباطياً إلى مجتمع عضوي تتبادل أعضاؤه الفاعلية والانفعالية، غائبة بشكل شبه كامل في الدول العربية. وبالتالي فإنّ الفكر والتفكير غائبان فعلياً بوصفهما ظاهرتين منظّمتين يمكن قياس إنتاجهما والحكم على عملهما. ويبقى مركز القرار في يد سلطة سياسية-عسكرية-مالية مركزية غير مؤهّلة للبتّ في مسائل الفكر والتفكير والنقد، كونها تشبه القوّة الصِّرفة غير المشكّلة كما لو أنّها كتلة من العماء الأوّلي قبل تأسيس العالم. وهذا يعني أنّ العرب بوصفهم جماعة أو جماعات بشرية لم يصلوا بعد إلى مرحلة الوعي بالذات، لا على المستوى الفردي ولا على المستوى الجماعي. فالوعي بالذات هنا Self-Consciousness يعني قدرة هذه الجماعة البشرية على مراقبة نفسها والحكم عليها سلباً وإيجاباً من موقع يتعالى على موقعها كجسم متحرّك؛ أي إنّها ليست قادرة بعد على الانسحاب خارج جسمها والنظر إليه من فوق أو من زاوية أخرى والحكم على حركته وسلوكه وتصرفاته بطريقة موضوعية أو شبه موضوعية شجاعة. هذا العجز عن التعالي عن الذات ومراقبتها، بما يشه الاستبطان، هو سبب ونتيجة أيضاً لعدم القدرة على الوصول إلى مستوى المجتمع المدني ومن ثم الدولة، إذا تبنّينا ولو مؤقتاً الترتيب الهيغلي لنشوء الدولة الحديثة، والذي يبدأ من تشكل وعي الشخص الفرد خارج أسرته، ثم تشكيله مع الأفراد الآخرين مجتمعاً مدنياً، وصولاً إلى تشكيل مؤسسات الدولة التي تمثل إرادة هؤلاء الأفراد.

 

موضوع متصل:

العربيّ وفِغل القراءة غير المُنجَز

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.