عبودية الإنسان المعاصر


بقلم فادي أبو ديب

بالنسبة للطبقة التي تحتل الهامش الاقتصادي في بلدانها، وهي أغلبية شعوب المعمورة، تبقى “الحرية” في ممارسة الاقتراع الصندوقيّ هي “الحرية” الوحيدة عملياً التي تمكن ممارستها شكلياً على الأقل من دون إمكانيات اقتصادية. فالفقير يمكنه التوجه إلى الصندوق وإبداء رأيه السياسي، حتى لو شكلياً، من دون أي تكلفة مادية.
ومع ذلك فإنّ افتراض أن الحريّة الانتخابية هذه تقف على قدم المساواة مع باقي الحريات الأخرى هو افتراض يقوم على مسلّمة فكرية غاية في الغرابة، وهي أنّ كلّ إنسان هو بالضرورة مواطن ذو اهتمامات سياسية تدفعه أن يفكّر سياسياً بشكل جدّي ومطوّل كلّ عامين (موعد بدء الطبل والزمر الانتخابيين في الدولة) كبداية للتعبير عن رأيه. وبغض النظر عن تأثير أو عدم تأثير هذا الرأي، فإنّ الاعتقاد بأنّ الإنسان هو كائن سياسي بالدرجة الأولى هو من أغرب الاعتقادات التي قد تخطر على بال إنسان أو حاكم، وهو أمر تمّ العمل عليه بنجاح باهر يستحقّ الإعجاب.
ومن ناحية أخرى، وعلى قدم المساواة من ناحية الغرابة، تمّ العمل على الربط بين مفهوم “تقرير المصير” كواحدة من أهمّ قيم الحريّة التي قد يحتازها المرء ومفهوم “حرية إبداء الرأي السياسي” أو “حرية إبداء الرأي بالحاكم”. هذا الخلط الغريب يصوِّر أنّ مصير الإنسان يجب بالضرورة أن يكون مرتبطاً بحرية الاقتراع، وأنّ مصير الإنسان مساوٍ لإمكانيات اختياره السياسي، على الرغم من أنّ المؤثّرات الحقيقية في مصير الإنسان تتعلّق بعوامل تتجاوز الاقتراع إلى معرفة ما هي الطرق الأمثل للتشريع الاجتماعي والاقتصادي، وهذه معارف ترتبط بشكل دقيق بكثير من المعارف العلمية والتقنية المعقّدة التي من غير الممكن حيازتها من قبل كافة عناصر المجموع البشري، وخاصة في عصرنا هذا البالغ التعقيد الكثيف المعلومات.
وإذا كان هذا التعقيد يفرض أن يختار المجموع ممثّلين عنهم نكون قد عدنا إلى المربّع الأول وهو أنّ الإنسان مُجبَر على التحوّل إلى مواطن أي كائن سياسي مكرّس للتفكير السياسي بالدرجة الأولى كأهمّ عوامل وجوده واستقراره ومصيره.
وفي كافة الأحوال يصبح من المستحيل الحديث عن فردانية حقيقية أو حريّة شخصية إلّا في نطاق بالغ المحدودية ومرتبط بشكل وثيق بما في جيبه من مال. وكلما تزايدت التشريعات المختصة بالعمل والتنقّل والهجرة والمسكن والتعليم وحتى إلى فنون الكتابة وصلاحية مخطوكة للنشر كلّما فقد الإنسان من الناحية العملية المزيد من إمكانيات العيش الحرّ والمزيد من قدراته على التعبير عن نفسه.
ماذا بشأن من ليس لديه اهتمامات سياسية (والاهتمام هنا مرافق للمشاركة الفاعلة، الحقيقية منها والوهمية)؟ ما هي عوامل تقرير المصير بالنسبة إليه في مختلف النظريات السياسية الحديثة؟ مع تعقّد الإنتاج وتضخّم الأسواق إلى درجة تحتاج للبقاء فيها إلى جيوش مدرّبة من التقنيين والخبراء، تبدو فرصة الإنسان الفرد ضئيلة وشبه معدومة في الإنتاج الفرديّ المستقل الصالح لتأمين حياة كريمة لائقة (صفة الفرديّ هنا يمكن تطبيقها على الأعمال العائلية التقليدية أيضاً)، وهي اللبنة الأولى، عملياً، في أي قدرة لتقرير المصير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.