تفجير بيروت: الخطوة الرسمية الأخيرة لاحتلال لبنان


بقلم فادي أبو ديب

French President Emmanuel Macron visits devastated streets of Beirut
الصورة من رويترز

لا يمكن للمرء إلا أن يلاحظ الشبه الكبير بين هذه الأيام التي نعيشها بعد جريمة تفجير مرفأ بيروت وتلك التي تلت جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005؛ فمنذ الدقائق الأولى للانفجار بدأت حملة إعلامية مهولة على قناة العربية على سبيل المثال بالحديث عن سلاح حزب الله وعن دوره في المأساة.  وبدت هذه الأحاديث الجازمة والأصوات المتيقنة منذ اللحظات الأولى وقبل انقشاع غبار الحدث الجلل، تماماً كما بدأ اتهام سوريا في ذلك الوقت من عام 2005 قبل انتشال جثامين القتلى إثر حادثة اغتيال الحريري ومرافقيه.

وصول ماكرون السريع إلى بيروت ونزوله إلى الشوارع ولقاؤه الناس وتجوله في المرفأ المنكوب والمدينة المنكوبة وإلقاء خطبته العصماء في الناس باللغة الفرنسية، قبل توجهه للقاء رئيس الجمهورية اللبنانية ميشيل عون، لا يمكن ضمن أي منطق سياسي في العالم إلا أن يُقرأ على أساس الدخول الفعلي في تنفيذ انقلاب دولي على الجمهورية اللبنانية وسلطتها الحالية- هذه الجمهورية التي وصلت جميع أقطاب طبقتها السياسية تقريباً إلى ما وصلت إليه برضا فرنسا نفسها والولايات المتحدة وغيرهما من الدول الغربية والعربية، مما يجعل أي حديث عن فساد الطبقة السياسية اللبنانية (وهو صحيح طبعاً) يبدو سخيفاً، كون الجمهورية بُنيت على طبقة إقطاعية كهذه، ولولاها لم يكن ممكناً وجود لبنان الكبير كدولة.

المطالبة بلجنة تحقيق دولية في انفجار المرفأ يذكرنا بالتحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري بكل فضائحها على أيام ديتليف ميليس، كما أن تدويل القضية ضمن سياق تناقضي من حيث جزمه بعلاقة حزب الله الأكيدة بالأمر لا يمكن إلا أن يذكّر بقرارات مجلس الأمن الذي أفضى عام 2005 إلى خروج الجيش السوري من لبنان بشكل سريع وكامل.  من الجدير هنا القول إنّ خروج الجيش السوري من لبنان لم يكن بالأمر الذي يخالف الصواب، وليس التحقيق الدولي أيضاً بكلا الجريمتين مما ينافي المنطق، ولكن سياق الأمور وطريقة سيرها وترتيب الأحداث يُظهر- من دون أن نكون جازمين هنا- أنّ كل هذا التسلسل يحدث وفق خطة مفصّلة محترفة تشرف عليها أجهزة دولية محترفة وقادرة.  فالهجمة الإعلامية على حزب الله اليوم تبدو محسومة قبل أي تحقيق، فما تقوم به قناة عربية صديقة لإسرائيل، كالعربية مثلاً، من تبحر واسع في الهجوم على لبنان ورئيسه وحكومته الحالية (فقط) يظهر أنّ كل التقارير والاستنتاجات كانت جاهزة منذ زمن طويل.

ومجيء ماكرون بهذه الطريقة وكلامه وتهديده ووعيده الواضح والمبطّن يُنبئ بأنّ لبنان يدخل بسرعة في نفق احتلال جديد، مهدت له الدول العظمى منذ سنوات، وهي التي لم تقبل حتى بأن تجعل من الجيش اللبناني جيشاً قوياً ومسلحاً بشكل جيد، فلا هي تريد للبنان جيشاً قادراً على ردع إسرائيل ولا تريد للبنانيين وأحزابهم إيجاد طريقتهم الخاصة بذلك.  وكل ذلك  كرمى لعيون درّة الإمبراطورية الدولية والمجمع العسكري-المصرفي الحاكم في العالم، وهي إسرائيل، منعاً لأي محاولة إقامة قوة إقليمية حقيقية ومستقلة شرق المتوسط، سواء أكانت إيران وحلفاءها أم مصر أم أية دولة أخرى.

4 comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.