عشيرة المشّائين


بقلم فادي أبو ديب

لوحة”الفيلسوفان” لميخائيل نِستِروف (1917)
سيرغي بولغاكوف (يمين) وبافل فلورنسكي (يسار)

لم أكن أعرف أن التجوال في شوارع المدن كان من صفات كثير من الكتاب. يقول عبد الرحمن منيف عن صديقه جبرا ابراهيم جبرا: “كان جبرا مثل أحد معلميه القدامى: سقراط، أحد المشاركين [الخطأ من المصدر]، لأن ‘الأفكار تأتيه على إيقاع السير، وتتهادى الذكريات، وتتسارع الخواطر’ و’يسعدني أن أقول إنني، ومنذ بداياتي، من عشيرة هؤلاء المشائين…”


أتذكر أنني كنت جوّالاً متسكعاً من الطراز الأول في عمّان. وهناك فرق بين السائر والمشّاء، وبين الماضي في طريقه والمتجوّل المتسكع. كنت أخرج كل يوم لأدور في الشوارع الداخلية، وأغلب الأحيان بشكل شبه مدروس في أحياء معينة أعرفها بالتفصيل الدقيق. أقول “شبه مدروس” لأن العملية نفسها كانت مقصودة وبينها وبين الوعي والتقصّد علاقة وثيقة، ولكنها كانت أيضاً نوعاً من التوهان والتّهيام على الوجه، بشكل يتفاوت من يوم وآخر وبين ساعة وأخرى. كنت أكرر الشارع الصغير نفسه متجولاً فيه، أي أذرعه جيئة وذهاباً، لكي أعزز علاقتي بالبيوت والأضواء الخافتة والزوايا والشجر. كانت النباتات المعربشة والمنعطفات تعني لي الكثير أما النوافذ والإطلالات الزجاجية فقد كانت مادة رئيسية للتأمل، وخاصة عند المساء أو ليلاً. الظلال والحدائق وتباينات النور والظلام، الكينا، الصنوبر، أشجار الكستناء، والأهم الزيتون، كانت كلها ذات دلالات يتراكم محتواها بالنسبة إلي.
كنت فعلياً أسكن جميع البيوت من دون أن يدري سكانها، وكنت أكتب هناك. هناك ولدت عشرات القصائد، لا بل إنني أتذكر حتى اليوم بعض الزوايا التي وقفت عندها لأكتب أو الأرصفة التي كنت أقطعها وأنا مستغرق، ولا زلت أحفظ مواقع بعض “أنصاف الطوابق” والعليات والأبواب ورفوف الكتب التي شغلتني كثيراً وأدهشتني ورسمت في ذهني صوراً عجيبة.
الأمر في بعض الأيام وتحت تأثير بعض ظروف الطقس كان يأخذ أبعاداً سحرية بمعنى الكلمة، وكأنني مسرنم أتنقل بين حقول من الفضة والزرقة النادرة.


يتابع منيف فيقول: “بعد أن توثقت علاقتي بجبرا، ولأني مثله من المشائين، فقد أصبح ‘شارع الأميرات’ المضمار الذي نذرعه ونقضي فيه وقتاً غير قليل…ما فاتنا من أحاديث، أو ما لم نستكمله في شارع الأميرات، تابعناه لاحقاً في شوارع باريس وحدائقها…كنا في أحد هذين المكانين نقضي ساعات طويلة في كل مرة، ولا نعرف كيف يمرّ الزمن أو كيف تتفجّر الأفكار والمشاريع…”

وإذا كان المشي والتجوال في حالة مبدعينا العملاقين مسرحاً تُكتشف على خشبته المشاريع والأفكار الجديدة، فهو عندي رحلة صيد حقيقية؛ فأنا أصطاد الأشعة وتجليات الضوء والمفارقات والموحيات، وكأنني أحاول أن أعثر على بيت أعرفه. لهذا وحين كنت منذ يومين أتجوّل في أحد الشوارع الصغيرة، وعلى مبعدة مني على جهة اليمين ما يشبه القصر المتواضع القديم، لفتني على جهة الشمال باب منزل عاديّ. المنزل عاديّ ولكن جهة الباب لم تكن عادية في نظري (أو زاوية نظري) في تلك اللحظة. كانت شيئاً آخر. ولهذا كتبت حينها:

كأنه يحاذي حقل زيتون من حقول الإغريق تلمحه بطرف عينك اليسرى وأنت تَلِج بسرعة؛
كأنه مدخل إلى نوافذ تنفتح على عيون ماء تحت مجتمع حَوْر يرتعش وقيقب أحمر؛
كأنه أول وصولك إلى جرن ماء بين الصخر يضيع اخضرار موجه المنمنم في متاهة الزرقة؛
كأنه مدخل إلى حيث تصطف كؤوس النبيذ الأحمر تنتظر من يتناولها؛
كأنه مرشد وحيد إلى ابتسامات الطمأنينة بين صحون الحساء الدافئ؛
كأنه عتبة رخام إلى بيت الغناء وعشاء عرس بلا رسميات؛
كأنه ائتلاق الخشب الداكن من حيث لا تدري؛
كأنه باب معصرة إلى حيث يتدفق الزيت بين الأعين ويلمع كغدير انبثق للتو؛
كأنه ملجأ من القيظ إلى حيث يتسرب الانتعاش إلى الصدور فتتذوق ظل الأرجوان؛
كأنه بوابة يدخل منها التعب إلى فرش مخمليّ يختزن رائحة النُبل الذي يُنبئ بمفاجأة؛
كأنه بداية حديقة سرية تخبرك عنها امرأة لا تقول الكثير إلا بعد نظرة دهاء ناعس؛
كأنه باب حافلة على حدود الصحراء والجالسة بجانبك تعرفها منذ مليون سنة ولا تعرف ما اسمها ومن هي؛
كأنه أنت أنت من حيث تدري ولا تدري؛
كأنه بيتك الذي لا تعرف غيره ولكنك لا تعرف أين هو.

4 comments

  1. راائعة رائعة جدا وبتعبر عني كتير بس أنا بحب أكتر الحارات القديمة أو الطبيعة، يعني أماكن ما تمرق منها وسائل مواصلات. وضيف عليها التأمل من نافذة باص أو قطار أو سيارة وخاصة إذا في مطر؛ سحر بكل معنى الكلمة :)

    • اي والحارات القديمة والطبيعة النائية كمان رائعة، بس هديك إلها نوع تأمل “برّي” مختلف😊
      أما نوافذ الباصات والمركبات فهي أيضاً وصلة عجيبة باتجاه عوالم غريبة وخلابة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.