البرق والأيقونة


بقلم فادي أبو ديب
(15 تموز 2021)

شغلني البرق أمس. نافذتي العريضة التي رفعت عنها مؤقتاً الستار الصيفي الأسود كانت شاشة عرض سماوية. وبجانبها تسمّرت نسخة صغيرة رخيصة من أيقونة “الثالوث” الشهيرة للرسام الروسي أندري روبليوف، جلبتها من كاتدرائية نوتردام في أنتفيرب.

كان حواراً… بيني وبين أيقونتين: أيقونة الطبيعة التي تتحوّل خلفيتها بين الأسود والبنفسجي المضيء والأزرق الوامض الخاطف، وأيقونة الإنسان مطّلعاً على أسرار عالم السحاب الذي لا يٌدنى منه، عالم الظلمة المنيرة.

البرق الذي شغلني كان غصن شجرةٍ أجهل امتدادات باقي أغصانها، ناهيك عن جذعها العملاق. ولكن وميضه كان من لون عالم الأيقونة. كنت ممدداً أراقب عالمين اثنين، عالماً نورانياً جامداً يغرق بالسكينة، وانا أرشف منه ببطء صوراً لا أستطيع تبيّنها بوضوح، وعالماً مظلماً ضاجّاً بالحياة وبالمطر المنسكب غزيراً بلا شبح رغبة في التوقف في القريب العاجل- هكذا كأنّ الليل مطمئن إلى أنّ الصباح لن يأتي في المدى المنظور. كان الليل ثائراً ولكن برقّة (!)، برعوده وبروقه وبالوميض المفاجئ الخاطف الذي يضيء شجرة الإجاص خلف نافذتي كأنها حيوان خرافي يخرج من قبعة ساحر قبل أن يعيد إخفائها مجدداً.
كان البرق المتكرر إذن صلة الوصل الضوئية بين الأيقونتين، بين النور والظلمة، بين اللون الذهبي واللون البنفسجي الداكن؛ وكان أيضاً إيقاعاً للصور المتتابعة في ذهني، أو قل محفزاً لكيمياء المخيّلة التي تسارع إلى التكاسل بعد كل فترة هدوء تطول قليلاً. حين يظهر هذا الغصن الومّاض العملاق في السماء، تظهر معه عشرات أشجارالزيتون التي تستعمر الأيقونة ومائدتها السرّية التي يتحلق الثلاثة حولها وحول كأسها الوحيدة. أو لعلّ الأشجار كانت أشجار اللوحة الزرقاء الفضية التي علقت الأيقونة على إطارها، تهتز بفعل الزلزال السماوي البارق الومّاض، فتدخل أغصانها الليلية في عالم الأيقونة المنير، ينفلت فيه المزيج الأخضر الناجم عن اللونين المتداخلين، ويتسرّب معه اللون الفضي اللماع، لتتتابع الصور في الذهن بنفس إيقاع وميض البرق.
لم يعد المجتمعون الثلاثة في عالمهم السماوي الذهبي، بل في روضةٍ متوسطية، يجتمعوم بين أشجار الزيتون، على تلة ما او في وادٍ ما، كمئات التلال والوديان التي كنا نجتمع فيها، قديماً جداً، لإحياء عيد ما أو ذكرى ما، حين اعتاد القديسون على الحضور شخصياً في أعيادهم، ولو من بين جذوع الزيتون أو أغصان الصنوبر والبلوط.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.