أيام حلب (3- الارتعاد)


بقلم فادي أبو ديب

ونحن متجهان من ساحة “جورج لحدو” إلى الحديقة العامة مروراً بالعزيزية، وتحديداً ساحتها، توقفنا عند دكان صغير متخصص ببيع السجق الحلبي الشهير وأخذنا بعض ما ينفع الذوق ولا يضر البطن واستكملنا طريقنا إلى مقصدنا.
كانت الشمس قد بدأت بالميلان الشديد متجهة نحو الأفق وكل شيء يلمع في الشارع والأبنية والسيارات المتوقفة وحتى وجوه الناس، وكان أبو رزوق يبدو راضياً ينظر باستمتاع إلى ما حوله، ووجهه المتفحص ونظرته الثاقبة لا يستطيعان أبداً محو الابتسامة الغامضة التي يخيّل للناظر أنها مرتسمة على فمه مع أنها ليست كذلك.
كأنه على وشك أن يقول شيئاً ولكنه لا يقول.
كأنه يريد أن يضحك من أحد عابري السبيل ولكنه لا يفعل.
هذه البسمة الموهومة كانت تمنحه قبولاً عند الناس ومهابة في الوقت نفسه. فالمرء لا يعرف ماذا يريد منه هذا الوجه الذي يكاد يبتسم في تجهمه.
كنت مصراً على سؤاله عنها وعن ما قاله بخصوصها خلال جلوسنا في المطعم منذ بضعة أيام. لم أعرف كيف أبدأ الموضوع، ولكن فضولي كان أقوى.
“لماذا لم تتزوجها؟”
قلت فجأة، بعد أن أخذنا ما نريد من محل السجق وتابعنا طريقنا في شارع سينما الزهراء نزولاً نحو الساحة.
ساد صمت لوقت حسبته استمر حوالي خمس دقائق.
نظر إليّ بمكره الساذج الذي صرت أعرفه جيداً. كانت هذه النظرة تحزنني. لم أعرف السبب أبداً. ربما لأنها لا تظهر الحزن أبداً؛ ربما لأنني أحس أن الحزن يخفي نفسه في شبه الابتسامة الغامضة…الشاردة…هذه على وجهه.
ثم عاد للصمت مجدداً، ملقياً التحية بين الحين والآخر على أحد المارة أو بعض أصحاب الدكاكين.
بعد أن مررنا بساحة الحي ثم اتجهنا صعوداً نحو خارجه من الجهة الأخرى، نطق بعبارة واحدة: “لم أكن سوى فوضويً طوال حياتي…”
استغربت عبارته هذه: “فوضوي…أتخيل أنك أبعد الناس عن هذه الصفة!”
“لا ما فهمتني…أقصد أنني في قرارة نفسي لا أعترف بأي سلطة مهما حاولت أن ألتزم بها…”
في الواقع لم أفهم حينها ما الذي كان يحاول قوله، وما علاقة هذا بسؤالي الفظ بعض الشيء الذي طرحته عليه. شعرت وكأنه يحاول أن ينسج قصة ما تجعلني أستنتج الإجابة لوحدي.
“ما فهمت أبو رزوق!”
“حصولك على مبتغاك بين الناس يتحقق عبر خضوعك للثمن الذي تعارف عليه هؤلاء الناس عبر أجيال. شلون لكن؟! بتمشي على كيفك وبعدين بتقلهن اعطوني؟! لا تلعب مع الآلهة!”
سألته “طيب أين المشكلة في هذا الكلام؟ ثم ما دخل الآلهة؟ ما عم بفهمك يا أبو رزوق!”
“ما في مشكلة!” قال بنبرة تهكّم، ثم سكت…ثم نطق مجدداً بعبارة حفرت في ذهني حفرة غائرة….لأنه حين كان يهم بالكلام من جديد كانت تمر على الرصيف المقابل إحدى زميلاتي في الكلّيّة، أو لأكون صادقاً أكثر، كانت هي الفتاة التي وجدت فيها آنذاك ما لم أجده في الأخريات.كانت تعجبني جداً…أو ربما كنت أحبّها (!)…وهي لم تكن تبخل عليً بما يؤجج الافتتان بها.
تبادلنا التلويح والابتسام الخاطف لبعضنا مع بضع كلمات مجاملة سريعة وخافتة.
وقد جاءت جملته التالية “…المشكلة هي حين لا يكون لديك الثمن المطلوب…تغضب الآلهة…!” حين التفتت الشابة إليّ مجدداً لتسترق نظرة لم أفهم مغزاها. هل كانت تسترق بالفعل نظرة أم تقول شيئاً غفلت عنه فطنتي الشاردة يومها؟ خُيِّل إليّ أنّها أومأت برأسها إلى الأسفل…نصف إيماءة…محمّلة بنظرة عتاب…أو سخرية!
تزامن هذين الأمرين معاً هزني بعمق في تلك اللحظة، وأرسل في صدري ارتعاشة غريبة، لسبب لم أستطع فهمه منطقياً.
كانت هذه مصادفة غريبة ولا أنساها أبداً، تحت شمس أصيل تبدو في ذاكرتي اليوم ذهبية مشتعلة قبل غيابها التالي السريع، الذي سبق وصولنا إلى الحديقة العامة مع أول خيوط المغيب القرمزيّ.
لم أسأله بعد ذلك عن الثمن المطلوب. كانت الرعدة في داخلي تتكرر ولكن بصمت، حين كنت أريد سؤاله مجدداً عن الأمر…وكنت أشعر بعينين تسترقان النظر إلي من مكان ما…غير راضيتين…كأنهما تحكمان علي بالطرد واللعنة.
لم أكن أفكر أبداً بمفردات أبي رزوق، ولم أكن فوضوياً يكفر بالأعراف. كنت أختط لنفسي طريقاً ككل الآخرين ومستعداً لدفع ثمن الحياة العادية.
ولكن العبارة ونظرة الفتاة عزفا معاً لحناً واحداً في صدري…طلسماً عجيباً.
ربما لهذا كان أبو رزوق يومها ينظر إلي بكل الحزن الذي يمكن لوجهه المبتسم بسذاجة أن يحمله.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.