الصوت الذي يخلق الليل من قلب النهار


بقلم فادي أبو ديب

“فلتقفي…يا ساعةً رملية
حتى أرى آخر الأرض الشمالية
حتى أجوس خلال الشرق والغرب
والأرض الجنوبية”

محمد عفيفي مطر (ملامح من الوجه الإمبيذوقليسي)

لا يزال حلم الإسكندرية يطاردني. رأيتها من مَكمَني في آخر الأرض الشمالية مرّتين، خارج الزمن؛ مرّةً ساحلاً مدينياً-صحراوياً طويلاً أفقه بلون الرّمل الواعد بمملكة برؤيا مملكة غائبة، سوقاً مزدحمة بآلاف الغرائب وزجاجات العطور، مكاناً ينتمي الناس فيه إلى بعضهم البعض، وفي نفس اللمحة يكوّنون جزءاً من عالم شديد الكثافة والاتصال كأنّهم حيٌّ محمولٌ على ظهر سفينة كوكبية.
ومرة أخرى جلستُ على ما سأتبيّن بعد سنوات عديدة أنّه أحد شواطئها التي تشكّل ما يشبه خليجاً قزماً في وسط المدينة، وفوق الماء جسرٌ تمرّ فوقه السيارات ويلقي بظلّه السميك على المياه الخضراء.

زيارتاي هاتان حدثتا حين توقّفت بالفعل الساعة الرملية التي تسيّر العالم بدقة وانتظام، أو اختلّت فصار العالم حرّاً رَحباً قويماً.

مرّة أخرى توقفت تلك الساعة وأنا أستحمّ برذاذ سريع ينهمر فيستر عن الوعي الكليل أسطورة النهار الفجّة. وجدتُ نفسي تنساق خلف محراث السؤال. ها أنا لا أستطيع أن أرفس مَناخِس، فأحاول يجاد الدرب الذي لطالما بحثت عن نهايته، التي ليست أقلّ من الغرق التامّ في زمن عبد الوهاب.

كدتُ أقفز نحو الهاتف لأتصل بأبي وأسأله إذا ما صودف واستطاع حلّ لغز علاقة الليل بصوت الموسيقار الكبير. ولكنني وجدتُ فجأة أنّ عبارة ما تتكثّف في مسامع باطني، ثم تفيض على صفحة الوعي المبتلّ الشارد: “صوته يخلق الليل من قلب النهار.” لصوته ليلٌ خاصّ تتكاثر فيه الحدائق الليلية التي تتخلّق بسرعة ثمارها الحمراء اللمّاعة وكأنها تؤشّر نحو قصرٍ سحريّ، أو تنفتح في النهاية على نهارٍ عسليّ الإضاءة.

محمد عبد الوهاب في شبابه

وهكذا يتحوّل الشرود المحض إلى دهشة لا زمنية ترفعني نحو عالم كلّ ما فيه يتدفّق. ماذا يحصل حين يصير الزمن عجينة في يد الصوت؟ أو قُلْ ماذا يحصل حين يصبح الزمان سكّة نذرعها جيئة وذهاباً من غير أن نسأل “ليه؟” أو “رايحين فين” أو “جايين منين”.

لا نسأل لأننا صرنا في حالة تشبه اليقين ولكنها ليست هو، بل أكثر منه لذّة وإطراباً: نحن في غمرة العَجَب والترقّب المطمئن من قدرة الصوت الحامِل للنَّغَم على التوليد المتواصِل لجميع أرجاء الزمان بتمثلاته الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل، وعلى تناقلها عبر الأمكنة، وبالعكس.

اللَّحن الذي ينسرب لطيفاً على صفحة نهر الصوت/ والصوت بكل ما يختزنه من عمق الإنسان وتضاريس وأسرار قارّات كوكبه غير المرئيّ- اللحن والصوت يوقفان ساعة الدّهر المنتَظَم ليسمحا بُعيدئذٍ للزمن بالتدّفق ثم الفيضان، خالطاً خصوصيات الأمكنة والمواقيت ببعضها البعض.

ها انا إذاً مجدداً على شاطئ الإسكندرية. أجلس على الكَنَبة الخضراء التي كنت أغرق فيها في طفولتي وأنا أحفظ الأغاني، وأسأل أبي أن يمدّ يده لكي أناوله شيئاً لا أتبيّنه الآن- ربّما موجةً بلون الفيروز أو بلون الظهيرة ليلفّها حول معصمه الأسمر، لأو ليهديها لأمّي أو أحد إخوتي الصّغار يوم عيد ميلاده.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.