هموم شعرية: مع فادي أبو ديب [صحيفة “العربي الجديد”]


وقفات

باريس

العربي الجديد

08 يناير 2023

فادي أبو ديب

تقف هذه الزاوية مع شاعر عربي في علاقته مع قارئه وخصوصيات صنعته، ولا سيما واقع نشر الشعر العربي المعاصر ومقروئيته. “ما زال الشعر يرتبط في أذهان قِطاع عريض من الجمهور بوظيفة إيقاعية وطَرَبية، أو بأغراض المديح والهجاء”، يقول الشاعر السوري لـ”العربي الجديد”.


■ مَن هو قارئك؟ وهل تعتبر نفسك شاعراً مقروءاً؟

– يمكنني القول إنّ القرّاء الذين أعرفهم في عدد من البلدان العربية هم في الغالب من فئة الشباب والقرّاء الذين يبحثون عن صوت مختلف وعن شِعر فيه روحانية تخترق عالم الاعتياد والسرد الذاتي اليومي. وأعتبر أنّ تركيزي على المثالية السحرية والمناخات الحُلمية، واختبار العالمين الطبيعي والمدينيّ بإمكانياتهما السُّريالية والسِّحرية، يجد صدىً إيجابياً عند الكثيرين. وهذا أمر يرضيني ويسعدني، لأنه برهان على قدرة الشِّعر على تغيير وعينا وعالمنا.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، هل لديك ناشر وهل هو الناشر الذي تحلم به لشعرك؟

– علاقتي بالناشر جيّدة جداً، وقد نشرت معظم كتبي الشعرية لدى دار “فضاءات” في عمّان. ولِأكون أميناً، فإنّ الدار كانت أبوابها دائماً مفتوحة لي ولنشر مجموعاتي الشعرية. أمّا مسألة تسويق المطبوعات الشعرية، فتواجه بعض التحدّي، لأن كثيراً من الدور يعتبر أنّ سوق الكتب الشعرية صغيرة، وبالتالي يبقى تداول هذا النوع من الكتب ونشرها محدوداً، إذا ما استثنينا هنا بالطبع كتب بعض أيقونات الشعر الحديث، والذين ما زالت أعمالهم تُطبَع وتوزَّع بفعالية.

وسائل التواصل جعلت النصّ الشعري في متناول الجميع

■ كيف تنظر إلى النشر في المجلات والجرائد والمواقع؟

– بصراحة، لقد أهملت في البداية، وإلى حدٍّ كبير، النشر في المجلّات والصحف والمواقع الإلكترونية، لأنني كنت أركّز على وسائل التواصل الاجتماعي والكتب. ولكن، في السنوات القليلة الماضية، بدأت بالتوجّه أكثر إلى الصحافة والمواقع الإلكترونية، لأنني أرى أنّ النشر في هذه الوسائل يمنح الكاتب عموماً، في الشعر وغيره، مجالاً للكتابة بصورة أكثر التزاماً ومسؤولية من حيث التفاعل مع وسط يختلف في أسلوبه ومنهجه وتوقّعاته عن الأوساط الأخرى.


■ هل تنشر شعرك على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف ترى تأثير ذلك في كتابتك أو كتابة زملائك ممّن ينشرون شعرهم على وسائل التواصل؟

– نعم، بالتأكيد، كما أشرتُ سابقاً. أرى في النشر على وسائل التواصل الاجتماعي ناحيةً إيجابية كبيرة، وهي التواصل المباشر مع القارئ، والسهولة في النشر، وإمكانية النشر والتعديل وإعادة النشر بحسب الحاجة والرغبة. ولكنّ الجانب السلبيّ لهذا الأمر يتمثّل في استسهال العمل الأدبي والإبداعي وإمكانية النشر من دون تدقيق. وفي بعض الأحيان، ينغلق الكاتب على وسط خاصّ به يجعله معزولاً عن الوسط الأدبي الأكبر. ولكن، في العموم، أنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي بشكل إيجابيّ.


■ مَن هو قارئ الشعر العربي اليوم في رأيك؟

– قرّاء الشعر العربي اليوم مختلفون في ما يذهبون إليه: منهم القارئ التقليدي أو المحافظ، الذي يرى في الشعر إيقاعاً وطَرَباً، ومنهم القارئ الذي يبحث عن إغناء عالمه بتجارب جديدة والانفتاح على تجارب نفسية ومعرفية غير مألوفة. لن أدخل في مسألة إحصائهم أو في ما إذا كان القرّاء كثرةً أو قلّة، ولكنّ وسائل التواصل الاجتماعي جعلت النصّ الشعري في متناول الجميع وضمن نطاق رؤيتهم، حتى حين لا يتقصّدون البحث عنه.

أتمنى للشعر العربي اكتساب القدرة على اكتشاف نفسه المعاصرة

■ هل توافق أن الشعر المترجم من اللغات الأخرى هو اليوم أكثر مقروئية من الشعر العربي، ولماذا؟

– لا أمتلك إحصائيات حول هذا الأمر، ولكنْ قد يكون هناك الكثير من الحقيقة في هذا، ولا سيّما في الأوساط الأكثر انفتاحاً على الثقافة العالمية. في الشعر العالمي نرى تجاربَ ربما ما زالت نادرة في الشعر المكتوب بالعربية، أو لم تتوفّر لها فرصة الانتشار بعد، أو ربما هي غير موجودة فيه أساساً. ولكنّني واثق بأنّ في الشعر العربي اليوم تجارب عظيمة وتنتظر الإضاءة عليها.


■ ما هي مزايا الشعر العربي الأساسية وما هي نقاط ضعفه؟

– إذا حصرت إجابتي بالشعر العربي الحديث (أقصد الفترة الزمنية، وليس شكلاً معيّناً منه) والمعاصر، فقد ارتبط قسمٌ كبير من هذا الشعر بقضايا سياسية وبوظيفة جماهيرية ذات رسالة اجتماعية. أتّفق مع أدونيس في ما كتبه عن ارتباط كثير من الشعر العربي بمسائل هوياتية من حيث الشكل والمضمون. وهذه برأيي إحدى نقاط ضعفه المهمّة: أي أنّ تيّاره السائد لا يزال بعيداً عن الاختبار العميق للطبيعة والروحانية الفردية الثريّة بالمعرفة، وما زال يرتبط في أذهان قِطاع عريض من الجمهور بوظيفة إيقاعية وطَرَبية، أو بإثارة الحماسة وأغراض المديح والهجاء.

في شعرنا اليوم تجارب عظيمة تنتظر الإضاءة عليها

■ شاعر عربي تعتقد أن من المهم استعادته الآن؟

– لا أؤمن باستعادة تجارب ماضية كانت لها شروط زمانية ومكانية معينة، وخاصّة في سياقنا العربي المعرَّض دائماً لخطر النكوص وتقديس الماضي. ولكنّني أعتقد أنّ مزيداً من الانتباه إلى شعراء من طينة أمل دنقل ومحمد عفيفي مطر وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وأزراج عمر ورياض الصالح الحسين سيكون فاتحةً لوعي شِعريّ مختلف وثريّ.


■ ما الذي تتمناه للشعر العربي؟

– أتمنى له اكتساب المزيد من القدرة على اكتشاف نفسه المُعاصِرة، وإخراج مختلف تيّارات الإبداع التي تتدفّق في داخله وفي جنباته المنزوية إلى الضوء وإدخالها حيّز الاعتراف، وأن يصل إلى العالمية بشكل واسع ومُستدام.


بطاقة

شاعر وكاتب سوري وُلِد في فرنسا عام 1985. أصدر خمسة دواوين شعرية: “صلوات غنّوصيّ سوريّ” (2016)، و”ميامر الحجرة العرائسية: مدخل إلى المثالية – الواقعية السّحرية” (2017)، و”السيرة النجمية لقسطون الذاهل” (2018)، و”السماء ترتّب بيتها لآخر مرّة” (2018)، و”حرّاث العوالم: زائر القرى النائمة” (2021). ومن ترجماته: “من أين جاءت ما بعد البنيوية؟ ومقاربات أخرى” لأزراج عمر، و”ما وراء شمس المشرق” لبياتريس برسان.
 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.