المتَّهَم بريء حتى ينال الحرّيّة والديمقراطية!!


المتَّهَم بريء حتى ينال الحرّيّة والديمقراطية!!

الديمقراطية التي فضحت جهل وتطرُّف  الشعوب العربية

بقلم فادي أبو ديب

لم يكن منتفضو الثورات والتحرّكات التي قامت في العالم العربي، والذين فيهم الصادقون والمتفانون، يعلمون أنّهم يمهّدون الطريق لواحدة من أهمّ الاكتشافات المثبَتة بالصوت والصورة والأرقام والإحصائيات الدقيقة، والتي ستقدِّم فائدةً معنويةً جمّة لمن يريد أن يُبصِر ويتبصَّر. لم يكن يخطر على بالهم بكلّ تأكيد بأنّه، ولأوّل مرّة، ستثبت التّهمة- الحقيقة التي حاول العديدون إثباتها عبر السنوات والقرون.

          كثيرون قديماً وحديثاً قالوا بأنّ التاريخ العربي الإسلامي يصطبغ بالتشدُّد وانعدام الحرّيّات واضطهاد الأقّليات بصفةٍ عامّة، فكانت الردود دائماً تأتي لتكذِّب وتسفِّه هذه الحقيقة المؤسفة على كلّ حال. فكثيرةٌ هي الحجج والمبرِّرات التي تُقَدَّم لتمويه الأحداث، وعديدةُ هي التفسيرات التي تُعرَض. فإذا تحدّثنا عن الاضطهادات التي تعرّض لها الأقباط أيّام الفاطميين، يقولون أنّ تلك كانت سياسات فردية من قبل خلفاء محدَّدين؛ وإن ذكرنا الإبادات والاضطهادات الجماعية التي تعرّض لها يهود شبه جزيرة العرب، قالوا أنّ أولئك كانوا البادئين، ويذكرون هم عندها حالات “تسامحٍ فرديّ” هنا وهناك! أمّا إذا تحدّثنا عن المذابح التي تعرّض لها المسيحيون السريان اليعاقبة والآشوريون والأرمن وجيرانهم من الطوائف والمذاهب الفلسفية ذات البعد الإسلامي، اتّهموا الأتراك والباب العالي العثماني والسّلاجقة. ولو اتى أحدٌ ما على ذكر جرائم المماليك بحقّ “النصارى” ووضعنا أمامهم جرائم الظاهر بيبرس وغيره، قالوا أنّ التاريخ مزوَّر أو أنّ القتل لم يتمّ على أساس عنصريّ ديني، بل كان القتلى ضحايا حروبٍ سقطوا دون تمييز، رغم أنّ التاريخ يوضِّح لنا بعض الأوامر الحرفية لهذا السلطان وغيره والمدوَّنة في الكتب. وحتّى لو أتينا بالإثبات بأنّ كثيراً من عمليات مهاجمة الأديان الأخرى من المسيحيين واليهود والحركات الفلسفية ذات البعد الإسلامي كانت تتمّ من خلال حراك شعبيّ أكثر وحشيّةً من اضطهاد السلاطين كما نقرأ عن تواريخ مصر والعراق وغيرهما، فيأتينا الجواب الجاهز بأنّ تلك أيضاً تحرّكات فردية لا تقوم أصلاً على أساس دينيّ عنصريّ بل على أساس اجتماعي- ثقافي- قبليّ. ولا يمكن في هذا المقام الحديث عن آلاف الحوادث الأخرى.

           سلسلة طويلة من حلقات التجاهل تحكم حياة المجتمع العربي- الإسلامي، وتمسّك رهيب بتاريخ مختَلَق ذي سمات كمالية ينفِّذها أشخاصُ يُنظَر إلى كلّ منهم بقداسة منقطعة النظير في كلّ ثقافات وأديان العالم التي قرأت عنها. فهذا التقديس التفصيلي والنظرة الكمالية لهذا العدد الهائل من الشخصيات في التاريخ الإسلامي وتفاصيل حياتهم الدقيقة، لا نجد لهما هذه الوطأة في مسيحية اليوم ولا حتّى في التاريخ المسيحي (المليء بالقدّيسين عند بعض الطوائف)، ولا يوجد حتماً في اليهودية الحسّاسة تجاه تقديس الشخصيات، كما أنه لا يوجد في البوذية والتاوية والكونفوشية. فهذا الإصرار على كمال الدّين والدولة في العهد الإسلامي الأوّل، على أقل تقدير، لا نجد له أثراً حتى في الروايات التوراتية عن الملك العظيم داود.

          كان دوماً يحلو لبعض المتفائلين الذي كانوا يظنون، وبعضهم ما زال، أن يؤمنوا بأنّ هذا المجتمع العربي قابل لأن يشهد نهضةً إنسانية عظيمة، ربما على نمط النهضة الإيطالية قبل نهاية العصور الوسطى، أو على شاكلة النهضة التنويرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا. والبعض كان يستشهد بالعهد التنويري النهضوي القصير الذي شهدته “بعض” المناطق العربية في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين تقريباً، متناسياً بأنّ هذه النهضة تلازمت بشكلٍ واضحٍ لا يقبل الجدل مع وصول الإرساليات الأجنبية البروتستانتية، والكاثوليكية التي كانت قد وصلت في مرحلةٍ سابقة وكان لها نفوذ واسع في لبنان منذ القرن السادس عشر  تقريباًَ. ويمكننا أن نرصد تقريبياً أن هذه النهضة بدأت بالأفول مع مغادرة هذه الإرساليات وفشل التنويريين في الحفاظ على إرثها، بالإضافة لمحاربة الحركات القومية العربية بكلّ غباء للعمل الثقافي والتربوي والاجتماعي لهذه الإرساليات في ستينيات  القرن العشرين. وعلى كل حال فهذه النقطة بالذات تقبل الكثير من النقاش لتشابك هذا العامل مع اكتشاف البترول وظهور الإسلام السياسي وفشل المشاريع القومية العربية الناصرية والبعثية وغيرها.

          وفي الواقع، فحتى الأعوام القليلة الماضية لم يتوفّر في أيّ مرحلةٍ من مراحل التاريخ العربي- الإسلامي، إثبات دامغ بالصوت والصورة والإحصائيات للطبيعة المتعصِّبة والمتشدِّدة للإيديولوجيا الموجودة في هذا المجتمع (أو المجتمعات)، في ظلّ التبرير الدائم بأنّ التطرّف هو عبارة عن حالات فردية. إلّا أنّ أحداث العام 2011، وكما بات متوَقَّعاً عن أحداث العام 2012، أكّدت بأنّ التطرّف هو الخلفيّة الثابتة لثقافة هذا المجتمع، وأن الانفتاح والتحرّر هو الذي يخضع لمفهوم الفردية، حتى لو بلغ العدد بضعة ملايين.

          الانتخابات التي جرت في مصر عقب سقوط نظام مبارك أظهرت تقدُّماً كاسحاً للإسلاميين بأنواعهم، وهؤلاء منتَخَبون من الشارع، أي أنّ الشارع “التوّاق إلى الحريّة” هو في الحقيقة توّاق للعودة إلى ثقافة الخلافة أو ما يشبهها وما زال يعتقد حقّاً أن نظاماً كنظام أبي بكر الصدّيق أو عمر بن الخطّاب هو الأفضل! كما أنّ الانتخابات التونسية أظهرت أيضاً نتيجة مشابهة بفوز حمادي الجبالي الذي استهلّ حكمه بالتبشير بخلافة راشدة سادسة وبتحرير القدس مما ينذر بنوايا عدوانية لا تعترف بالسلام في الشرق الأوسط، لا بل أنّ الرئيس الجديد منصف المرزوقي أتحفنا بخطابٍ افتتاحي أشبه بما يكون بخطبة جمعة منه إلى خطاب رجلٍ عَلمانيّ ليبراليّ. أما ليبيا فقد احتشد مقاتلوها خلف أحد زعامات القاعدة لطرد القذّافي، وأعلن حاكمها الحالي عودة الشريعة الإسلامية لتمنح رجال دار الإسلام الجديدة ما يشتهون من النساء مثنىً وثلاث ورباع! أما المغربيون، وفي تجربتهم الديمقراطية الأولى منذ فجر التاريخ، انتخبوا عبد الإله بن كيران وهو إسلاميّ يُقال أنه معتدل. وبالطبع لا حاجة للحديث عن أنظمة الخليج العربي التي تموّل، قيادةً وشعباً، الإرهاب في العالم بالمال والعتاد والرجال والأفكار. وها هم السعوديون والقطريون والليبيون والأتراك وغيرهم يعيثون فساداً وإفساداً بثقافة من يصلون إليهم من الشعوب العربية والإسلامية، المنهَكة أصلاً ثقافياً وأخلاقياً واقتصادياً وسياسياً ومعيشياً وعلمياً وفِكرياً. وحتى تركيا التي يتغنّى بعض من في  الشرق والغرب بعلمانيتها وديمقراطيتها، برزت الآن كداعمٍ قويّ للعنصرية والفاشية الثقافية والدينية في مصر وليبيا وتونس بفضل مؤسس “السَّلطة الثانية” رجب طيب أردوغان. وأنا أستغرب ممن يستغرب السلوكيات التركية، فهم فقط عادوا إلى ما كانوا عليه طوال أربعة قرون، بعد “عطلةٍ” قومية قصيرة دامت بضعة عقود!

صناديق الاقتراع في مصر وتونس وليبيا والمغرب وتركيا، وربما غيرها عاجلاً أم آجلاً، تثبت أن معظم الشعوب العربية والإسلامية لا تحلم بالحريّة في التعبير والحياة والاختلاف التي يفهمها العالم، بل تحلم بحريّة سيادة المؤسسة الدينية على كلّ شيء، لأنها ما تزال تعتقد بقدسيّة تاريخها وعصمته من الزَّلَل والخطأ، وما تزال تظنّ، ربما ببساطة وعفوية خطيرة، أنّ ثقافتها هي الوحيدة التي يجب ان تسود وتنتشر وتسيطر وتحكم.

 الحرية السياسية التي وُلِدت هذا العام أثبتت أن معظم العرب لا يفهمون الدين والأمور الروحانية على أنّها مناهج وسلوكيات فردية تحسِّن الجماعة البشرية المؤلَّفة من أفراد مستقلّين، بل يفهمونها كسيادة مؤسساتية- حزبية ثيوقراطية يقودها “أمير مؤمنين” مسؤولٍ عن رعايا صامتين.

 الديمقراطية أثبتت تهمة التشدّد، ولكنها برأيي أنها أثبتت تهمة البساطة والسذاجة والجهل واليأس، وأنا شخصياً أعتقد فِعلاً بأنّ معظم شعب هذه المنطقة ليس شرّيراً أومتعصّباً عن خبث، بل هي السذاجة القاتلة والفِكر المعدوم والأرواح الخاوية القابلة للتعبئة بكلّ أنواع العصبيّة والحقد التاريخي على الآخر المختلِف، حيث نرى النَّفَس الديني المتشدِّد حتى عند كثير، وربما معظم، من كان يدّعي سابقاً الانفتاح والليبرالية، فبات الحديث عن دولة إسلامية أمراً طبيعياً حتى في الجامعات، ومن أفرادٍ لم يكن يبدو عليهم أية توجّهاتٍ دينية قبل الانتفاضات الحاصلة.

الحرية والديمقراطية أثبتت التهمة وكشفت المستور وأثبتت الذي كان واضحاً، ومن له أذنان للسَّمَع وعينان للبصر وقلب للبصيرة فليسمع وليرى وليتفكَّر!

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.