أثناسيوس الإسكندري: الخلاص والصليب بنظرة أرثوذكسية


بقلم فادي أبو ديب

OL_Trinity

 

            في رسالته “تجسّد الكلمة” يقدِّم أثناسيوس عدة مفاهيم الخلاص هي: استرداد الصورة الإلهية، الصليب، الانتصار على الشيطان وقِوى الشرّ، التأليه.

استرداد الصورة الإلهية

            كما أُشير سابقاً في مراجعة الرسالة، فقد اعتبر أثناسيوس بأنّ الله خلق الإنسان في البداية على صورته ومثاله، وأنّ “الإنسان العاقل المخلوق على صورة الله آخذًا في التلاشي، وكانت خليقة الله آخذةً في الانحلال” (6: 1).  وبحسب أثناسيوس فإنّ تجسّد الكلمة- اللوغوس كان حتميّاً لإنقاذ الإنسان واسترداد الصورة الإلهية فيه، حيث أنّ الصورة الإلهية التي تضمن معرفة الله هي الوجود الحقيقي للإنسان، ومن دونها فإنّه يتهاوى في العدميّة (4: 4-6)، وهو يشرح عن البشر بأنّهم

كانوا وَهُم في الحالة الطبيعية ـ حالة عدم الوجود، قد دُعوا إلى الوجود بقوة الكلمة وتحنّنه، كان طبيعيًا أن يرجعوا إلى ما هو غير موجود (أى العدم) عندما فقدوا كل معرفة بالله؛ لأن كل ما هو شر فهو عَدَم، وكل ما هو خير فهو موجود. (4: 5)

فالوجود إذاً هو معرفة الله والعدم هو تلاشي هذه المعرفة، والصورة الإلهية هي قوة الكلمة أو ظل الكلمة، والاحتفاظ بهذه الصورة ممكن فقط عن طريق معرفة الله (الفصلان 4 و5).  إلّا أنّ الإنسان لم يعد بعد السقوط قادراً على استرداد هذه الصورة، لأنّ التوبة لا يمكن أن تمنح الإنسان عدم الفساد، فهي لا تغيّر الطبيعة الساقطة ولا تحفظ أمانة الله وصدقه في شأن وجوب موت الإنسان نتيجة عصيانه (7: 3)  وبما أنّ الكلمة- اللوغوس هو مَن خلق الإنسان منذ البدء على هذه الصورة فهو وحده القادر على إعادتها له وحفظها من الفساد، فهو “وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد وأيضًا أن يصون صِدق الآب من جهة الجميع.” (7: 5)  فالكلمة هو الواسطة الإلهية القادرة من جهة على تمثيل الإنسان بما أنّه إنسان، وهو القادر من جهة أخرى على تحقيق مطالب الآب بحكم كونه الكلمة الإلهية الذي هو صورة الله.  ففي يسوع المسيح تتحّد الصورة الإلهية بالطبيعة الإنسانية، وبالتالي فهو الوحيد، منذ السقوط، الذي تجتمع فيه الصورة الإلهية بكمالها بجسد بشري خالٍ من الخطية.  بالنسبة لأثناسيوس فإنّ هذا الحدث هو بداية الخلاص، وهو أوّل خطوات التجسّد، أي أوّل خطوات الخلاص الإلهي.

إلّا نظرة أثناسيوس لحقيقة ما حدث للصورة الإلهية يشوبها بعض الغموض، وربما بعض التناقض، حيث أنّه يعتقد أنّ السقوط قد أصاب هذه الصورة بالفساد مما أدّى إلى توجّهها نحو التلاشي والاضمحلال (6: 1)، إلّا أنه في ذات الوقت يُدين البشر بسبب عدم معرفتهم لله عن طريق الإعلان العام في الخليقة الطبيعية (12: 1).  وهكذا فإنّ حجّة أثناسيوس غير مقنعة، لأنّ البشر برأيه قد فقدوا أصلاً استقامة التفكير العقلاني بمجرّد أن بدأت الصورة الإلهية تضمحّل فيهم، وبالتالي فإنّه من المنطقي أن يكونوا غير قادرين على معرفة الله معرفة حقيقية، سواء عن طريق الخليقة، أو عن طريق الناموس والأنبياء.  إنّ ما يصرِّح به أثناسيوس خلال الفصل 12 من رسالته هذه يُمكِن أن يُفهَم على أنّ الله كان دائماً يجد نفسه بموقف المتفاجئ أو العاجز أمام جهل البشر المستمرّ يه، فكان يحاول مرّة تِلو الأخرى لتعريفهم بشخصه دون فائدة.  وعلى هذا، يمكن أن يُفهَم من أثناسيوس- في هذا الموضع من رسالته على الأقل- أنّ الصليب كان محاولته الأخيرة بعد فشل كلّ المحاولات الأُخرى، ولكن العهد الجديد يوضح بأنّ خطّة التجسّد والفداء كانت معدّة سَلَفاً قبل تأسيس العالم (أف 1: 4).

الصليب

الصليب بالنسبة لأثناسيوس هو ساحة المعركة التي حقّق فيها المسيح الخلاص للبشر؛ فهو قد أمات الطبيعة البشرية، الحاملة معنوياً لخطايا الإنسانية، على الصليب، وعلّق عليه (مع جسده) اللعنة المفروضة بحسب قانون الله وأماتها على الصليب (25: 2).  ويعتبر أثناسيوس بأنّ الموت شرط لازم، والجسد باتحاده بالكلمة يبقى قابلاً للموت ولكنه غير قابلٍ للفساد لأنّه متحد بالكلمة الإلهية (اللوغوس)، وهو يشرح بأنّه “إذ اتَحد ابن الله عديم الفساد بالجميع بطبيعة مماثلة، فقد ألبَس الجميع عدم الفساد بطبيعة الحال، بوعد القيامة من الأموات.” (الفصل 9)  وهكذا يبدو بأنّ المصالحة الأساسية، بحسب نظرة أثناسيوس للتجسّد بكلّ ما يشمل، هي بين الله والطبيعة البشرية ككينونة مجرّدة عن الحالة الفردانية لكل شخص على حِدة.

ومن الواضح عدم وجود حدّ فاصل بين الجانبيْن التأمّلي والفِكري العقلاني عند أثناسيوس؛ فهو يرى مثلاً أنّ إحدى ضرورات الصليب (التي جعلت خيار الموت على الصليب مفضَّلاً على غيره) تكمن في أنّ وضعية يديْ يسوع الممدودتيْن بشكل أفقي عليه تتيح له جمع اليهود والأمم سويّاً، وأن جسده المعلَّق عمودياً بين الأرض والسماء هو السبيل إلى وصل الأرض بالسماء ومصالحة الإنسان والله! (الفصل 25)  ويعبِّر هاستينجز راشدول عن هذا التوجّه الموجود عند أثناسيوس بكلماتٍ صريحة، حيث يعتبر بأنّه بعيدٌ عن كونه مفكِّراً عميقاً وأنّ اهتمامه الدينيّ طغى على اهتمامه الفِكري والعقلي.[1]

إلّا أنّ أحد الأمور الملفتة ففي نظرة أثناسيوس للصليب اعتبارُه أنّ المسيح قدّم بموته جسدَه “للآب” (8: 4)، وبحسب تعبيراته تصبح المشكلة ليست بين الله والإنسان، بل بين الإنسان والآب فقط، فبالنسبة له كان موت الإنسان  مطلب من مطالب الآب العادلة (7: 5)

الانتصار على الشيطان وقِوى الشرّ

تتبدّى ضمن هذا المفهوم الخلاصي “الأثَناسي” ملامح أفلاطونية محدَثة؛ فهو يشير إلى وجود قوى شيطانية تحتلّ المجال الجوّي، وعلى الرّغم من أنّ العهد الجديد ربّما يقدِّم أساساً قويّاً لهذا الاعتبار حين يتحدث عن رئاسة الشيطان على مجال الهواء (أف 2: 2)، إلّا أنّ أثناسيوس يذهب أيضاً إلى أبعد من ذلك، فصلب يسوع وتعليقه في الهواء لم يكن بالنسبة له من دون سبب، فقد كان هذا واجباً لتطهير هذا المجال الهوائي من القِوى الشيطانيّة ومساعدة الأرواح التي تريد الإرتقاء إلى السماوات (25: 5-6)، فهو يعتبر بأنّ الشيطان يجول في الأجواء الهوائية السُّفلية بعد سقوطه من السّماء وأنّه يحاول إعاقة كل شخص يحاول الارتفاع إليها، كما يشرح ما فعله موت المسيح على الصليب الذي عُلِّق عليه جسد الربّ في الهواء:

لأنه إذ رُفع هكذا فقد طهّر الهواء من كل خبث الشيطان وكل الأرواح النجسة  كما يقول: “رأيت الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء” وافتتح طريقًا جديدًا للصعود إلى السماء كما هو مكتوب ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية” (25: 6) 

  يبدو هنا إذاً تداخل بين مفهوميْ الحيّزيْن الروحي والفيزيائي عند الكاتب،  ويبدو أنّ في ذهنه كلام بولس في عدّة مواضع عن الرياسات والسلاطين الروحية التي توجد في السماويات (ربما هذا يشير إلى الأجواء الهوائية السفلى) في عدة مواضع منها أفسس 3: 10؛ 6: 12.  كما انّ بولس يتحدّث في 1 تسالونيكي 4: 17 عن ملاقاة الرب في الهواء، وهنا يبدو ايضاً دور للمجال الفيزيائي في الأحداث الروحية، وهو في ذات الوقت قد يعني غلبة الربّ يسوع على السلاطين الشريرة الموجودة في ذلك المجال.

ورغم هذا الأساس في العهد الجديد، إلّا أنّه يوجد في شرح أثناسيوس ما يشبه الاعتقادات الأفلاطونية الحديثة، التي تعتبر أنّ المجال المادّي الأرضي هو آخر الانبثاقات الفيزيائية- الروحية الناتجة من من الفيض الإلهي في حالة الأفلاطونية الحديثة، وأنّ على الإنسان تجاوزها للوصول إلى “الواحد” أو الله.[2]  أو من مجموعة من الصانعين أو الأرخونات في حالة بعض المذاهب الغنوصية.  ففي مذهب الأفلاطونية الحديثة تشكِّل الأرواح (الأنفس) الأقلّ نقاءً (الأكثر مادّيّةً)، من كواكب ونجوم وغلاف جوي، أجزاء من العالم المادي، ويكون على النفس الراغبة في العودة إلى الله (أو الواحد)أن تنعتق من الجسد لكي تستطيع أن تنحلّ في الهواء، حيث لا يشكِّل الهواء مجرّد وسطٍ فيزيائي بل هو جزء من النفس الكونية، وهذا يشابه فكر أثناسيوس الذي يتحدّث عن ارتقاءٍ “هوائيّ” للروح البشرية (تجسد الكلمة، الفصل 25).  وفي حالة الغنوصية يجب على الرّوح أن تتغلّب على الأرخونات Archons الشرّيرة الموجودة فوق الأرض، والتي تحارب كلّ مَن يحاول الوصول إلى الله أو إلى “الذي هو”.  وتورد مخطوطة الرؤيا الأولى ليعقوب، التي تعود للفترة الواقعة ما بين أواخر القرن الميلادي الثاني ومنتصف القرن الثالث،[3] والتي عُثِر عليها في مصر ضمن مخطوطات نجع حمادي في منتصف القرن العشرين، ما يشير إلى مثل هذا الاعتقاد، حيث يورِد الكاتب على لسان يعقوب أخي الرب تساؤلاً حول إمكانية الارتقاء إلى الله والانتصار على الأرخونات الشريرة التي تفصله عنه.[4]  إذاً ففكرة الإنتصار على الشيطان والكائنات الشرّيرة الموجودة في الهواء (كوسط فيزيائيّ) لم تكن موضع خلافٍ بين كبير بين الأرثوذكسيين والغنوصيين، وإنّما يبدو أنّ الخلاف كان في ميكانيكية الإنتصار ومَن يحقّقه، أو في هويّة هذه الكائنات ومقدار ارتباطها أو عدم ارتباطها بخالق العالم المادّي، حيث اعتبر كثير من الغنوصيين أنّ هذه الأرخونات مرتبطة بصانع العالم، بينما في الأرثوذكسية خالق العالم المادي هو نفسه خالق الكون كلّه، وهو نور وكلّيّ الصلاح ولا يرتبط بأيّ طريقة بالقوى الشيطانية التي تعمل ضدّه (إلّا من حيث أنّه خلقها كما خلق كلّ الخلائق الأخرى).

وهكذا فإنّ موضوع الانتصار على الشيطان والأرواح الشرّيرة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصليب بالنسبة لأثناسيوس، وليس ظاهرة منفصلة بحدّ ذاتها.  كما أنّ هذه الغَلَبة على الرّياسات الشريرة ليست وقفاً على حدث الصّليب، بل هي حقيقة مستمرّة بعد قيامة المسيح، حيث  يشير أثناسيوس إلى القدرة العجيبة والفريدة للمسيح المُقام في طرد الشياطين وهزيمتها وإبطال أعمالها في الأفراد والأمم (الفصول 30، 32، 52)

ومن الجدير ذكره وجود ملامح أخرى مشتركة كما يبدو بين أثناسيوس والغنوصيين (الذي تركّز جزء كبير منهم في الإسكندرية على أيّة حال)، وهي الفصل بين التأثيرات التي يتعرّض لها كلّ من اللاهوت والناسوت؛ فيعتبر أثناسيوس بأنّ اللاهوت غير قابلٍ للألم على عكس الناسوت، فيشرح بأنّه “هو الكلمة ذاته وهو الله، فإنه بعدم قابليته للتألُّم حفظ وخلّص البشر الذين يتألّمون والذين لأجلهم احتمل كل هذا.” (تجسد الكلمة، 54: 3)  وهذا يشبه تماماً ما يرد في رؤيا يعقوب الأولى المنحولة حين يقول الكاتب على لسان يسوع: “أنا هو الذي في داخلي.  لم أعاني بأيّة طريقة كانت، ولم أكن مكابداً أيّ حزن.”[5]  فالتعليم الغنوصي الواضح هنا هو أنّ المسيح (الكلمة) لم يعانِ ما عاناه الجسد، فليس يسوع المسيح ذو الطبيعتين هو مَن عانى، بل كان الجسد هو الذي عانى وأمّا اللاهوت فبقي بعيداً عن الألم وليس فقط عن الموت.

إنّ التشابه قد لا يعني بالضرورة وجود مؤثّرات غنوصية معيّنة في بعض نواحي الفِكر الخلاصي عند أثناسيوس، ولكنه قد يشير إلى وجود اشتراك في بعض النواحي الإيمانية الأساسية بين الأرثوذكسيين والغنوصيين فيما يتعلّق بنظرتهم إلى هيكلية القوى الروحية وعمل الصليب في الانتصار عليها، بالإضافة إلى اتصال الروح بالله.  وحتى مع وجود اختلاف واضح في تحديد هوية الشخصيات الإلهية وعددها وطبيعتها الخيّرة أو الشرّيرة، إلّا أنه يوجد على ما يبدو اتّفاق في النظرة على آليّة الصِّراع بين الخير والشر.

 

التأليه

يصرِّح أثناسيوس بوضوح بأنّ هدف التجسد النهائي هو التأليه، حيث يقول في 54: 3 بأنّ “”كلمة الله صار إنساناً لكي يؤلِّهنا نحن”.  وعقيدة التأليه هي العقيدة المركزية في مفهوم الخلاص عند الكنيسة الأرثوذكسية، لا بل أنّها محور الإيمان، وهدف الإنسان المسيحي.  والتأليه في الأرثوذكسية مكافئٌ للخلاص ولا خلاص من دون تأليه، أي أنّ “فداء الإنسان وخلاصه يعنيان ’تأليهه‘”.[6]  لذلك فالنظرة الأرثوذكسية للتأليه هي أنّه ما يريده الله للبشر من خلال التجسّد والصليب والفداء والقيامة، كما يبدو بوضوح من عنوان أحد الكتب الأرثوذكسية الرائجة “التأليه: الغرض الحقيقي للحياة الإنسانية”، حيث يصرِّح الكاتب بأنّ الله لا يتمنى للإنسان أن يكون مجرّد كائن بمواهب معيّنة أو خصائص معيّنة، أو حتى أن يكون ذا تفوّق معيّن على باقي الخليقة، بل يتمنّى له أن يكون إلهاً بالنعمة.[7]  وهذا التأليه لا يتضمّن فقدان الشخصية الإنسانية وذوبانها في الجوهر الإلهي كما هو الحال في الروحانيات الشرقية، حيث يشير تيموثي وير إلى أنّ الإنسان “لا يفقد كيانه الشخصي مطلقاً مهما كان وثيق الصلة بالله، والإنسان حين يتألّه يظل متميّزاً (وليس منفصلاً) عن الله.”  وهو يستشهد بمكسيموس المعترف الذي يعتبر أن لله والمؤمنين الجديرين به نفس القوّة الواحدة.[8]  كما يشير مكسيموس الذي يحتلّ مكانةً مهمة في اللاهوت الأرثوذكسي إلى أنّ الخلاص غير ممكن للبشرية إن لم تصبح إلهية بشكلٍ كامل.[9]  ويختصر آرتمي رادوسافليِفيتش الموضوع بالقول أنه “يمكن القول بأنّ كلمة ’التأليه‘ تعبِّر عن المعنى الأسمى لكلمة ’خلاص‘”.[10]  وهكذا فإنّه من الواضح أنّ التأليه الذي يتحدّث عنه أثناسيوس لم يكن مجرّد فكرة عابرة كما بدت في رسالته هذه، بل هي الجزء المركزي من اللاهوت المتعلّق بالخلاص في الشرق الأرثوذكسي في الماضي والحاضر، ولا بدّ أنّه يستند في مقولته هذه على تراثٍ كامل يعتبر التأليه مساوياً للخلاص، والهدف الرئيسي الذي أراده الله من التجسد، لا بل أنّ اللاهوتيين ذهبوا إلى الاعتقاد بأنّ تأليه الإنسان كان هدفاً لله حتى من دون سقوط آدم وحواء، وأنّ التجسّد كان حادثاً لا محالة.[11]

ومن الجدير ذِكره أنّ عدم تركيز أثناسيوس على مسألة التأليه، أيّ تحوّل الإنسان إلى إله بالنعمة، وعدم شعوره بالحاجة إلى الإسهاب في شرح وتبرير هذا المفهوم المركزي في العقيدة الأرثوذكسية، يدلّ على أنّ الموضوع كان بديهيّاً في أوساط الكنيسة ويرتكز على تراثٍ قويّ ومتَّفق عليه بين الآباء.

المعضلة الإلهية عند أثناسيوس

تكمن المعضلة الإلهية بالنسبة لأثناسيوس في مجموعة من الحقائق المرتبطة مع بعضها البعض، والتي تجعل من التجسّد الإلهي أمراً محتوماً، بسبب عدم تماشيها مع بعضها في ظلّ عدم وجود تدخّلٍ إلهيّ.  وبحسب أثناسيوس فهنالك مشكلة خلاصية حدثت نتيجة السقوط؛ حيث كان من الواجب أن تتمّ عقوبة الإنسان ويسود الموت عليه، وإلّا صار الله كاذباً، ولكن في ذات الوقت كان من المرعب أن يكون مصير الصورة الإلهية التي خلقها الله أن تهلك وترجع إلى عدم الوجود (الفصل 6).  ويسأل أثناسيوس سؤالاً ويتركه معلَّقاً من دون إجابة، والسؤال هو: لماذا خلق الله الإنسان عاقلاً ثم يتركه للضلال؟ (13: 2)

يمكن المحاججة بأنّ أساس هذه المعضلة هو في بعض الاعتبارات المسبَقة التي استند إليها أثناسيوس؛ فأثناسيوس كان يعتبر أنّ صورة الله التي خُلِق عليها الإنسان تظهر في قدرته على معرفة الله وإقامة علاقة معه، وبالتالي فالسقوط وانقطاع الشَّرِكة مع الله يؤدّي منطقياً إلى اضمحلال هذه الصورة.  إلّا أنّ اللاهوت الأرثوذكسي الشرقي قرّر بشكل عام منذ القرون الأولى التفريق بين “صورة الله” و”مثاله” أو “شبهه”، وفي حين لم يغيّر السقوط من هذه الصورة الإلهية، فهو أزال المثال الذي بات على الإنسان العمل الآن من أجل استرداده، فكون الإنسان قد مُنِح صورة االله فعليه الآن أن يعمل من أجل الكمال عن طريق تحقيق “المثال” الإلهي.[12]  وإذا كانت الصورة لم تُفقّد بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بصورة عامة فإنّ أحد أوجه المعضلة التي واجهها أثناسيوس لم تعد موجودة؛ فالصورة التي خلق الله الإنسان عليها ما زالت مُصانة، وكلّ ما في الأمر هو أنّ البشر لم يعودوا قادرين على الوصول إلى شبه الله من دون استعادة الشركة مع الله الذي خلقهم، ومن هنا يصبح مجيء المسيح إلى عالم الإنسان واتخاذه طبيعةً بشرية من أجل إعادة الشركة المقطوعة بين الله والإنسان من جهة، ولكي يعطي هذا الإنسان القدرة مجدَّداً على الوصول إلى المثال الإلهي عبر تأليهه، حيث تعمل النعمة الإلهية هنا جنباً إلى جنب مع المجهود البشري، وهذا ما يسمّى أرثوذكسياً بمبدأ التآزرية Synergia.

أما الوجه الثاني للمعضلة وهو وجوب موت الإنسان (وبالتالي فقدانه لصورة الله) فينبغي النظر إليه بشكل مختلف، اعتماداً على مبدأ الفصل بين الصورة والمثال (الشَّبَه).  كما أنّ أثناسيوس يبني حجّته بوجوب التجسّد اعتماداً على وجوب سَرَيان الموت في عالم البشر وعلى حتميّة فقدان الصورة الإلهية نتيجة العصيان البشري، ولكن السؤال الذي ما زال بلا إجابة هو: لماذا كان الموت هو النتيجة الحتمية للعصيان؟  وهل مفهوم العدالة الإلهية مشابه لمفهوم العدالة البشرية حتى أنه لم يكن يستطيع الغفران من دون تجسّد (بكلّ ما يتضمنّه هذا التجسّد)؟ 

إنّ الفكرة التي يقدّمها بعض اللاهوتيين الذي يؤمنون بالتأليه جديرة بالاعتبار، حيث يرى هؤلاء بأنّ قصد الله للإنسان كان يسعى إلى تأليهه حتى قبل عصيانه وسقوطه، حيث يؤكِّد فلاديمير لوسكي بأنّ

الطريق إلى التأليه ، والذي كان مخطَّطاً لأجل الإنسان الأول، سيكون مستحيلاً حتى تنتصر الطبيعة البشرية على الموت والخطية، فالطريق  إلى الاتحاد سوف يقدَّم من الآن فصاعداً إلى الإنسانية الساقطة باسم الخلاص.[13] 

وعلى هذا يمكن التفكير بأنّ موت المسيح على الصليب، ومن ثم قيامته جسدياً، كان من أجل الانتصار على الموت والخطية وقوات الشرّ بطريقة لا تصلها مدارك البشر، لعجزها عن استيعاب مجريات العالم الرّوحي، والتي يجب عليها بعد ذلك أن تثق بهذا الانتصار، بالإيمان، عن طريق ما تمّ إعلانه في الأسفار المقدَّسة.  هذا الانتصار على قوات الشرّ حرّر الإنسان من قبضة عالم الظُّلمة ومكّنه مجدّداً من السعي خلف تحقيق المثال أو الشَّبَه الإلهي.  وحتّى أنّ بعض اللاهوتيين مثل دُنس سكوتُس Duns Scotus يعتقدون بأنّ التجسّد كان حتمياً في جميع الأحوال (أي سواء حصلت الخطيئة الأصلية أم لم تحصل) من أجل تحقيق التأليه للطبيعة البشرية.[14] 

وهكذا فبفصل مفهوميْ الصورة والمثال عن بعضهما البعض، لا يعود السقوط الإنساني نوع من الاضطرار الإلهي الذي لجأ إليه الله حِفظاً لصدقه وأمانته وعدالته، ولا تعود الصورة الإلهية، التي هي حقيقة الإنسان الكينونية، مهدَّدة بالتلاشي والفساد.  وبهذا تنفكّ عُقَد المعضلة الإلهية الأثناسية لمصلحة تفسير أكثر تماسكاً؛ فالعصيان أدّى إلى دخول الانفصال الطوعي عن الشَّرِكة الحياتية والفِكرية، وبالتالي الرّوحية، مع الله، ممّا أدّى إلى انحراف الإنسان عن طريق تحقيق المثال الإلهي، ووقوعه في قبضة الخطيّة وقِوى الظُّلمة، ولذلك جاء التجسّد بكلّ ما فيه من حياة مقدَّسة وصلب وقيامة ليحرِّر الإنسان من هذا الانحراف العظيم ويعيده إلى الشَّرِكة وطريق التأليه.

هل الخلاص بالصليب أم باسترداد الصورة الإلهية عن طريق التجسّد؟

الإجابة على سؤال الخلاص يقدِّمه أثناسيوس بصورة مباشرة في الفصل الثامن من رسالته “تجسّد الكلمة”؛ فهو يشير بوضوح إلى أنّ هدف الكلمة لم يكن مجرّد التجسّد أو الظهور، بل “قد بذل جسده للموت عوضاً عن الجميع، وقدّمه للآب” (8: 3-4).  وبالولوج في أعماق فِكره يتبيّن أنّ استرداد الصورة الإلهية عن طريق سالتجسّد لم يكن حدثاً متميّزاً عن حدث الذبيحة على الصليب، بل هما وجهان لعملة واحدة؛ فالصليب الذي أدّى للموت، ومن ثمّ للقيامة من بين الأموات، هو الوسيلة التي انتصر بها يسوع المسيح على الخطيّة والشيطان والموت.  وهذا الانتصار هو الذي منح الطبيعة البشرية الممثَّلة بجسده المصلوب والمُقام الانتصار على الموت الذي كان واجباً على الصورة الإلهية نتيجةً للعصيان والسّقوط؛ أي أنّ استرداد الصورة الإلهية ناجمٌ عن ذبيحة الصليب، أو بكلمات أخرى، هو ناجمٌ عن التجسّد الذي يشتمل على تعاليم المسيح وصلبه وموته فقيامته، حيث يُنظَر إلى كلّ هذه الأحداث كمراحل شديدة الارتباط ببعضها البعض، وغير قابلة للفصل بأيّة طريقة كانت.

ويشرح أثناسيوس بأنّ تجديد الخليقة لا يتمّ فقط بالتجسّد بل أيضاً بإبادة الموت والفساد، لذلك فقد رأى أنه “من اللائق أن يأخذ جسداً قابلاً للموت حتى يمكن أن يبيد الموت، ويجدِّد خلقة البشر الذين خُلِقوا على صورته” (13: 8-9)  التجسّد (أي أخذ الجسد بحدّ ذاته) كانت تحضيراً لقيام المسيح بالتضحية لأجل البشر، وعلى هذا يمكن القول بأنّ التجسّد هو الذي أدى إلى فداء الإنسان على اعتبار أن التجسد مرتبط بالصليب ارتباطاً لا تنفصم عُراه.

كما يتّضح من مواضع أخرى في كتاباته أنّ أثناسيوس يقدِّم الصليب كمكانٍ للعقاب البديلي الذي أخذه المسيح عن البشر، وليس فقط مكاناً للانتصار على الموت وعدم الفساد، أي أنّ الصليب لم يكن مجرَّد عمل إلهيٍّ- إلهيّ، حدث ضمن الثالوث، قام به الكلمة لفداء البشر بعيداً عن التعامل معهم، بل قد أخذ خطاياهم في جسده وأماتها هناك على الصليب (تجسّد الكلمة 25: 2)، حيث يشرح أثناسيوس:

لكنه يحمل نقائصنا، وهو نفسه يأخذ خطايانا، لعلّه يبدو ظاهراً أنه صار إنساناً لأجلنا، وأنّ الجسد الذي فيه حملها كان جسده هو.  وبينما هو نفسه [ربما يقصد ككلمة الله] لم ينل أيّ أذى…فُدينا نحن البشر من أمراضنا، ومُلِئنا ببرّ الكلمة. (ضد الأريوسيين 3: 31)[15]

يظهر هنا موضوع التبادل بين المسيح والبشر؛ فهو قد أخذ خطاياهم حرفياً في جسده وأعطاهم بِرّه الكامل.  كما يذكر أثناسيوس أيضاً تقدمة المسيح على الصليب كذبيحة قدّمها لأجل فداء البشر؛ فبذبيحته التي بلا عيب، التي هي جسده البشريّ المماثل لأجساد البشر، رفع الموت عن كلّ البشرية (تجسّد الكلمة 9: 1؛ 10: 4-5).

إلّا أنّه كيف يمكن التوفيق بين فهم الخلاص على أنّه انتصار المسيح على قوى الشرّ والموت، الذي حقّقه بجسده البشري، وبين ما يقوله أثناسيوس نفسه من أنّ المسيح كان بدلاً عقابياً على الصليب، وأنّ دمه يطهّر البشر من خطاياهم (ضد الأريوسيين 2: 7)؟[16]  فهل الخلاص حصل بواسطة ردّ الصورة الإلهية للبشر والناجمة عن أخذ المسيح للجسد البشري، أم بواسطة موت كفّاري ذبائحي قدّمه الإبن للآب، أم بواسطة الدم الذي فيه فاعلية ما للتكفير عن الخطايا؟

في البداية ينبغي الإشارة إلى أنّه لا يبدو أنّ أثناسيوس يركّز على الدم بحد ذاته، فالدم هو علامة على الموت أكثر من كونه مادّة تحتوي على فاعلية خاصّة.  أمّا الإجابة على السؤال المتعلّق بميكانيكية الخلاص، إنّ صحّ التعبير، فيبدو أنها تحتاج إلى ربط الأفكار التي يقدّمها أثناسيوس بشكل متناثر للوصول إلى فكرة مترابطة معيّنة؛ فمن المفتَرَض أن أثناسيوس لا يناقض نفسه بنفسه، لأنّه يكرِّر أفكاره المتعلّقة بالانتصار على الموت والشرّ وتقديم الذبيحة الكفّارية في أكثر من موضع، مما يدلّ على أنّه كان يتحدّث من منطلق قناعة مريحة بكليْ الأمريْن.  ويبدو بأنّ أثناسيوس يربط بين هذه المواضيع مع بعضها، حيث يعتبر بأنّ ظهور كلمة الله في الجسد قد أدّى إلى تعريف البشر بأبيه السماوي، وبالتالي  إبطال خداع الأرواح البشرية (تجسد الكلمة 55: 5)  وحديث أثناسيوس عن دور الظهور الجسدي للكلمة في تعريف الإنسان بأبيه لا يعني بالضرورة أنّه يعني بالظهور مجرّد أخذ الجسد من دون الصليب؛ فمن سياق الرسالة كاملاً يبدو جليّاً بأن أثناسيوس يجعل الصلب والقيامة متضَمَّنيْن في حادثة التجسّد أو الظهور الجسدي، كما أنّه يصرِّح سابقاً بأنّ الصليب نفسه هو العامل الحاسم في هزيمة الأرواح الشيطانية الموجودة في الهواء (تجسّد الكلمة 25).

ويتّضح من شرح أثناسيوس في الفصل 54 من رسالته “تجسّد الكلمة” بأنّ عناصر المعرفة الإلهية، والانتصار على الموت، والخلاص من الألم (آثار الخطيّة ترتبط مع بعضها ارتباطاً وثيقاً، حيث يبيِّن هذه الحقيقة بقوله:

لأن كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلِّهنا نحن، وأظهر نفسـه في جسد لكى نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكى نرث نحن عدم الموت. لأنه بينما لم يَمسّه هو نفسه أي أذى، لأنه غير قابل للألم أو الفساد، إذ هو الكلمة ذاته وهو الله، فإنه بعدم قابليته للتألم حَفِظَ وخلّص البشر الذين يتألمون والذين لأجلهم احتمل كل هذا. (54: 3)

            من الشرّح السابق يبدو بأنّ التأليه هو الإسم الآخر لمعرفة الآب، فكلاهما نَجَمَ من صيرورة كلمة الله إنساناً، كما أنّ إهانة البشر له، بما يسمله هذا من عذابات وموت على الصليب، قد منحت الإنسان عدم الموت، حيث يرتبط هنا مفهوم حمل خطايا البشر مع الانتصار على الأرواح الشريرة الذي حدث على الصليب، أيّ أنّ أخذ الخطايا وإماتتها على الصليب قد أدّيا إلى الانتصار على الموت، وهذا الانتصار أدّى إلى إزالة تأثير الشرّ والخطيّة المسلَّطيْن على الإنسان وبالتالي منحه معرفة الآب.  بشكلٍ عام فإنّ الخلاص عند أثناسيوس هو الحصول على معرفة الآب السماوي، وهذه المعرفة تتطلّب عقلانيةً، وبالتالي تتطلّب استرداد الصورة الإلهية التي فقدها الإنسان عند السقوط.  وبكلما أخرى فإنّ الخلاص هو استرداد الصورة الإلهية أي استرداد معرفة إمكانية معرفة الله، ولكن هذه المعرفة غير ممكنة من دون الصليب الذي منح الطبيعة الإنسانية عدم الفساد، وانتصر على قوّات الشرّ، وأبطل تأثيرها الطّاغي.  في المحصِّلة فإنّ هدف الكلمة من التجسّد هو استرداد الصورة الإلهية وفتح الطريق مجدَّداً نحو التأليه، وما الصليب إلّا الوسيلة للوصول إلى هذا الهدف، فجسده الذي اختبر الموت والقيامة أصبح البوّابة التي تعبر منها الإنسانية إلى العالم الجديد، حيث يقول أثناسيوس:

لأن نوال الجسد لم يؤدِّ إلى إفساد الكلمة بحيث يضطر إلى السعي وراء نوال نعمة، ولكنه بالحريّ ألّه            [ الجسد] ذاك الذي لبسه، وأكثر من ذلك، فقد ’أعطاه‘ بفيضٍ من النعمة إلى جنس البشر. (ضد الأريوسيين 1: 42)[17]

فحتى موضوع تقديم الذبيحة عوضاً عن الإنسان لا تُفهَم عند أثناسيوس بمعنى تقديم شيءٍ ما لإرضاء الآب أو لدفعه للشعور بالإكتفاء، بل الذبيحة هي ثمنٌ وجب على الإنسان أن يدفعه كنتيجة طبيعية لسقوطه.  فالآب يبدو توّاقاً لاسترداد الإنسان إلى صورته الأصليّة التي خلقه عليها، وهو لا يطلب دماً عوضاً عن دم الإنسان بقدر ما يطلب استرداد صورته الإلهية ومعرفته من جديد، من دون أن يتناقض هذا مع صفاته التي لا يمكن أن تتجاوز عن العصيان وتتغاضى عنه.  إذاً تأليه الجسد الذي أخذه المسيح كان هو السبيل لاستعادة إمكانية التأليه- الذي هو الخلاص- للإنسان، والصليب لم يكن ذبيحةً بمعنى العهد القديم، بل كان المكان الذي قدّم فيه يسوع المسيح جسده الذي حمل كل خطايا البشر كبديل عنهم.  وهكذا ماتت الخطيّة وغُلِب الموت في جسدٍ مات لوهلةٍ ثم قام من جديد ليحيا إلى الأبد، فكان جسده أوّل جسدٍ إنسانيّ ينتصر على الموت، فدخلت بواسطته الحياة إلى عالم البشر الذي كان محكوماً بقانون الموت من دون أملٍ بالانتصار. ولعلّ هذا ما يقصده الرسول بولس من تلميحه إلى ثنائيّة آدم- المسيح حين يشرح معنى القيامة التي أدخلت الإنسانية في طور جديد من الحياة، عِماده اكتساب الجسد الإنساني الميت قدرة الخلود إلى الأبد، حيث يقول: “ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الرّاقدين، فإنّه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضاً قيامة الأموات، لأنّه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع.” (1 كو 15: 20-22)

وبشكلٍ مختصر، لا يوجد ملامح اعتقاد بأهميّة موقف الإنسان “القانوني” أو”القضائي” أمام الآب، والصليب ليس دفع ثمنٍ لإله منتَهَك الكرامة أو باحثٍ عن إرضاء عدالته، بل المسألة كلّها بنظر أثناسيوس هي مسألة صورة إلهية مفقودة ولا يمكن استردادها بسبب النواتج الطبيعية التي لحقت بالسقوط ألا وهي الموت، حيث أنّ الموت هو حالة انعدام معرفة كما أنّ الحياة هي حالة معرفة (الفصل 6).  وهذا الاسترداد لم يكن ممكناً له أن يتمّ إلّا بالانتصار على الخطية وما تسبّبه من موت، والقوّات الشريرة، عن طريق أخذ هذه الخطايا على الصليب وإماتتها عبر إماتة الجسد، ثم الانتصار على الموت عبر قيامة هذا الجسد وديمومته إلى الأبد.  ويلخِّص هاستينجز راشدول معنى الفداء الذي حقّق المسيح وكيفية إتمامه فيرى أنّ خلاص البشر تم بالتجسّد، حيث يشرح بأنّ ” الفداء يعود إلى التجسد كصورة كاملة، والذي يشكِّل الصلب أحد أحداثه، على الرغم من كونه حدثاً ضرورياً”.[18]  فالخلاص ليس عملية ميكانيكية سحريّة تمّت بواسطة تقديم الدم على الصليب، بل هو ناتجٌ عن عمل المسيح الكامل في مجيئه للأرض وأخذه جسداً بشرياً واستعماله الصّليب لإماتة خطايا الإنسانية والانتصار على الشرّ والموت.


[1] Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, 294

[2]ماجد فخري، تاريخ الفلسفة الإسلامية منذ القرن الثامن حتى يومنا هذا، 66.  أخوان الصفا، رسائل أخوان الصفا، الرسالة الثالثة، فصل في تجرد النفس واشتياقها إلى عالم الأفلاك.  بيتر كونزمان وآخرون، أطلس الفلسفة، 63.

[3] “1st  Apocalypse of James,” Early Christian Writings; ]Internet [; Accessed on 10, May 2013. <www.earlychristianwritings.com/apocalypsejames1.html>.

[4]” The (First) Apocalypse of James,” The Gnostic Society Library, The Nag Hammadi Library, translated by William R. Shoedel. ]Internet[; accessed on 7 May, 2013.  <http://gnosis.org/naghamm/1ja.html&gt;.

“<James said,>, “Rabbi, in what way shall I reach Him-who-is, since all these powers and these hosts are armed against me?” He said to me, “These powers are not armed against you specifically, but are armed against another. It is against me that they are armed. And they are armed with other powers.”

[5] Ibid.

[6]تيموثي وير، الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة، 53

 

[7] Archimandrite George, Theosis: The True Purpose of Human Life, 19

[8]وير،54

[9]مكسيموس المعترف، موسوعة ويكيبديا باللغة الإنكليزية، إنترنت، تم الوصول إليها في 30 نيسان 2013.  يوجد المقال على الرابط <https://en.wikipedia.org/wiki/Maximus_the_Confessor#Theology&gt;

[10]Artemije Radosavljević, Deification as the End and Fulfillment of Salvation According to St. Maximos the Confessor, 1

 

[11]انظر الفصل التالي “المعضلة الإلهية عند أثناسيوس”.

[12] George, 21

[13]Vladimir Lossky, The Mystical Theology of the Eastern Church, 135

[14]Ibid., 136

[15]Athanasius, “Against the Arians,” St. Athanasius: Select Works and Letters.  Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, edit.  Philip Schaff and Henry Wace, 4: 411.

 

[16]Ibid., 352.

[17]Ibid., 330.

[18] Rashdall, 297

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.