خاطرتان في الله والتّقديس


بقلم فادي أبو ديب

smokey

سُئِلت بضع مرّات وهوجمت علناً عدّة مرّات، وأثق بأنّني هوجِمت من خلف ظهري أكثر، سُئِلت: أين اسم الله فيما تكتب؟ لماذا لا تكتب عنه؟

لذا أقول: الإله الذي لا يمكن التعرُّف إليه إلّا من خلال اسمه ليس إلهاً بل وَثَناً صفيقاً، ويا مَن لا تستطيع رؤية الله إلّا من خلال اسمه…يا لها مِن عبادة!

إلهي لا اسم له…لا شكل له…لا لون له…لا جِنس له…لا انغماس لديه في ذاته…لا يُحِبّ حتّى أن يُعرَف كزعيمٍ، بل كنبضةٍ غريبةٍ في القلب…نبضةٌ لا اعرف كيف أعبِّر لك عنها…هو ارتعاشةٌ صوت في وسط الألم بأنّ كل شيءٍ بخير ليس لأيّ سببٍ معقولٍ أبداً.  نحن، معشر البشر، يا صاحبي، لا نقدر على تخيُّل الآلهة إلّا كقادة وزعماء يحبّون مجدهم الشخصيّ، ويذوبون نرجسيةً أمام ذواتهم في مرايا التَّكرار البليد.


إلهي طَلَب منّي ألّا أتخيّله، وأن لا أتحدّث باسمه كثيراً، وحسبُهُ أن يُفرِح قلباً وأن يمنح أملاً، وأن يهِب حُبّاً لشخصٍ يجعله يعشق الوجود بكلّ ما فيه…حسبُهُ أن ينتقل نبضاً وحرارةً…ورغبةً في نقل الفرح والرّجاء والدِّفء…حسبُهُ أن يرى ابتسامةً…ثمّ يختفي ليتلصّص بفرحٍ على انصرافنا الجَذل إلى المحبّة من وراء جدار بذل الذات الشفّاف.

*****

تقديس الشَّخص في الدّين هو خروج عن ماهية النصّ؛ فالحكماء يكتبون كلّ شيء لغاية. إنّهم يستعملون التاريخ الحقيقي والأسطورة والرَّمز والرِّواية لإيصال الحكمة للإنسان. مهمّة الإنسان هي أن يُدرِك ما هو غاية في الأهمّيّة لحياته وإدراكه ولمعنى وجوده في الحاضِر. مهمّته أيضاً أن يعرف ما هو الجوهريّ، أي ما هو العنصر الذي يجب أن يكون المركزيّ في حياته. الهوية؟ المال؟ الممتلكات؟ الحبّ؟ التوحُّد مع الآخر؟ العيش في الزمن خائفاً من نهايته؟ العيش في الأبديّة في حضور الرَّاهن؟


ليست مهمّته إذاً أن يقف في مكانه ويقدِّس أشخاص التاريخ أو الأسطورة أو الرِّواية، فتقديسُه هذا لن يفيده في زيادة إدراكه أو معرفتهِ، لا بل أنّه لن يفيده في الاقتداء بمَن يظنّهم أهلاً للقُدوة، وهو بالتأكيد لن يجعله أكثر فرحاً وسعادةً.


السّلوك ينجم عن الاندماج بالحقيقة والسّماح لها بتملُّك الشّخص والسيطرة عليها، وهو لا ينتج عن التّقديس الذي يهدف إلى تثبيت الهويّة الدينيّة، والتي هي ضَرب من ضروب الهويّة الثقافية القَبَليّة.
التقديس إذاً هو بشكل ما عَمَل سِياسي.

لاحظوا أنّ يسوع المسيح نفسه اعتبر بأنّ الآخرين قادرون على فِعل ما هو أعظم منه، وهو إن دعا إلى الإيمان به، فهو قد فَعَل هذا بحسب ما يرد في سيرته من منطق أنّه المعلَّم الذي يعطي تلاميذه عِلماً معيَّناً يستفيدون منه، كما يفعل كلّ المعلِّمين الحقيقيّين. لقد اعتبر أيضاً أنّ هذا الحقّ الذي يقدِّمه يحرِّر الإنسان، يحرِّره من رَبِقة السُّلطة الدّينية مهما كان شكلها، ومن وهم العبودية للأنا واليأس من أنّه يمكن للانكسار والحبّ والرّحمة أن يغيِّروا كلّ شيء ويعطوا المرء رؤية الله نفسه. هو المعلِّم الذي يُعدّ تلاميذاً ليصيروا معلِّمين آخرين.

 

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.